توفي الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار مورين، يوم الجمعة 29 ماي 2026، في باريس، عن عمر ناهز 104 أعوام، بعد مسار فكري وإنساني استثنائي جعله واحدا من أبرز الوجوه الفكرية في فرنسا والعالم، وواحدا من آخر الشهود الكبار على تحولات القرن العشرين.
ولا يتعلق رحيل مورين بغياب مفكر أكاديمي فحسب، بل بانطفاء صوت ظل، لأزيد من ثمانية عقود، يربط بين الفكر والحياة، وبين المعرفة والإنسان، وبين السياسة والثقافة والعلوم والمجتمع. فقد ظل اسمه مقترنا بما سماه “الفكر المركب”، وهو تصور معرفي يقوم على رفض تجزيء الواقع، والدعوة إلى فهم الظواهر في ترابطها وتشابكها، بعيدا عن الاختزال والتبسيط.
ولد إدغار مورين، واسمه الأصلي إدغار ناهوم، في باريس سنة 1921، داخل عائلة يهودية سفاردية ذات أصول متوسطية. وقد طبعت طفولته المبكرة تجربة قاسية، بعد وفاة والدته وهو في سن صغيرة، وهي واقعة ستترك أثرا عميقا في نظرته إلى الحياة والموت والإنسان. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انخرط مورين في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، واتخذ اسم “مورين” خلال تلك المرحلة، قبل أن يصبح لاحقا اسمه الفكري والأدبي المعروف.
ترك مورين أكثر من مائة مؤلف، ترجمت أعمال كثيرة منها إلى عشرات اللغات. وتوزعت كتاباته بين علم الاجتماع، والفلسفة، والأنثروبولوجيا، والسينما، والسياسة، والتربية، والبيئة، والإعلام، والعلوم، وتحولات الحضارة الحديثة. ومن أبرز أعماله موسوعة “المنهج”، التي صدرت في أجزاء متعددة، وشكلت إحدى أهم محاولاته لبناء تصور شامل للفكر المركب.
وكان مورين من المفكرين الذين رفضوا الحدود الصارمة بين التخصصات. لذلك لم يتعامل مع علم الاجتماع باعتباره علما مغلقا داخل أدواته التقليدية، بل وسعه نحو الثقافة الجماهيرية، والسينما، والشباب، والمدينة، والتقنيات الجديدة، والتحولات الريفية، والرياضة، والإعلام، والحياة اليومية. وبهذا المعنى، لم يكن مورين عالما اجتماعيا تقليديا، بل مفكرا عابرا للحقول، يقرأ المجتمع من زواياه المتعددة والمتداخلة.
وقد ساهمت أعماله حول السينما والثقافة الجماهيرية في فتح مسارات جديدة داخل الدراسات الاجتماعية والثقافية. كما ارتبط اسمه بفيلم “وقائع صيف”، الذي أنجز سنة 1961 بمعية جان روش، ويعد من الأعمال المؤسسة لاتجاه “السينما الحقيقة”، حيث تم توظيف الكاميرا ليس فقط لتسجيل الواقع، بل لاختبار علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالكلام عن حياته اليومية.
على امتداد مساره، بقي مورين حاضرا في النقاشات الكبرى التي شغلت فرنسا والعالم، من آثار الحرب والفاشية، إلى أزمة الشيوعية، ومن العولمة إلى البيئة، ومن التربية إلى مصير الإنسانية في زمن التقنية والذكاء والاضطراب. وكان يعتبر أن أكبر خطر يهدد الإنسان المعاصر هو عجزه عن فهم التعقيد، واستسلامه للأفكار المبسطة التي تحول العالم إلى معسكرات متقابلة وحقائق مغلقة.
في فلسفته، لا توجد معرفة معزولة عن الشك، ولا سياسة منفصلة عن الأخلاق، ولا علم بلا مسؤولية. وكان يرى أن التربية ينبغي أن تعلم الإنسان كيف يفكر، لا كيف يحفظ فقط؛ وكيف يربط بين المعارف، لا كيف يكدسها في جزر منفصلة. ومن هنا جاءت شهرته العالمية، خصوصا في أمريكا اللاتينية، حيث وجدت أفكاره حول التربية والتعقيد صدى واسعا داخل الجامعات ومراكز البحث.
ورغم شهرته الدولية، ظل مورين شخصية غير مريحة داخل جزء من المؤسسة الأكاديمية الفرنسية. فقد كان أقرب إلى المفكر الحر منه إلى الأستاذ المنضبط لقواعد المدرسة الواحدة. لذلك وصف أحيانا بـ”صياد المعرفة” أو “مغامر الفكر”، لأنه كان ينتقل بين الحقول والموضوعات دون أن يتخلى عن خيطه المركزي: فهم الإنسان في هشاشته، وتناقضه، وقدرته على الأمل.
ومع تقدمه في السن، لم ينكفئ مورين على ذاكرته، بل ظل يكتب ويتدخل ويعلق على قضايا العصر، من أزمة المناخ إلى الحروب، ومن مستقبل الديمقراطية إلى مخاطر الانغلاق والهويات القاتلة. وكان خطابه، حتى في سنواته الأخيرة، مزيجا من القلق والأمل؛ قلق من خراب العالم، وأمل في قدرة الإنسان على مراجعة مساره.
برحيل إدغار مورين، تفقد فرنسا واحدا من كبار مفكريها المعاصرين، ويفقد العالم صوتا نادرا دعا إلى مقاومة التبسيط، وإلى التفكير في الإنسان بوصفه كائنا معقدا، لا تختزله السياسة ولا الاقتصاد ولا البيولوجيا ولا الثقافة وحدها.
لقد عاش مورين قرنا كاملا تقريبا من التحولات الكبرى: الحرب العالمية، المقاومة، الشيوعية، الحرب الباردة، ثورات الشباب، العولمة، الثورة الرقمية، وصعود المخاطر البيئية. وفي كل مرحلة، كان يحاول أن يفهم، لا أن يصدر الأحكام السهلة. لذلك لا يترك خلفه كتبا فقط، بل يترك طريقة في النظر إلى العالم: أن نفكر بعمق، وأن نشك بتواضع، وأن نربط ما يبدو منفصلا، لأن الحقيقة، كما كان يرى، لا تسكن في التبسيط، بل في التعقيد.








تعليقات
0