أي مدرسة لأي تنمية بجهة طنجة تطوان الحسيمة؟…

yousra الإثنين 1 يونيو 2026 - 17:42 l عدد الزيارات : 111422

بقلم : سهام بنصالح، إطار تربوي وعضو الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بطنجة أصيلة

لم يعد بالإمكان الحديث عن التنمية ببلادنا بمعزل عن سؤال المدرسة، باعتبارها المؤسسة الأساسية في بناء الإنسان وتأهيل الرأسمال البشري القادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية. فالتنمية ليست مجرد أرقام ومؤشرات اقتصادية أو مشاريع استثمارية كبرى، بل هي قبل كل شيء استثمار في الإنسان، والمدرسة هي المدخل الطبيعي لتحقيق هذا الرهان.

وتطرح جهة طنجة تطوان الحسيمة نموذجا دالا في هذا السياق، حيث شهدت خلال العقدين الأخيرين تحولات اقتصادية عميقة بفضل مشاريع استراتيجية كبرى، على رأسها ميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية واللوجستيكية التي جعلت من الجهة قطبا اقتصاديا وطنيا وإفريقيا واعدا. غير أن هذه الدينامية الاقتصادية المتسارعة لم تواكبها بالضرورة دينامية مماثلة على مستوى إصلاح المنظومة التعليمية وتحقيق العدالة في الولوج إلى تعليم جيد ومنصف.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن الحديث عن تنمية جهوية متوازنة دون عدالة مجالية في التعليم؟

لقد حققت المنظومة التعليمية المغربية خلال العقود الأخيرة مكاسب مهمة على مستوى تعميم التمدرس، حيث ارتفعت نسب الولوج إلى التعليم الابتدائي بشكل كبير، كما تحتضن جهة طنجة تطوان الحسيمة اليوم مئات الآلاف من التلاميذ داخل شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية. غير أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بالتعميم، بل بجودة التعلمات وقدرة المدرسة على ضمان اكتساب الكفايات الأساسية التي تمكن المتعلم من الاندماج في المجتمع وسوق الشغل.

وتؤكد مختلف التقارير الوطنية والدولية استمرار اختلالات مرتبطة بضعف التعلمات الأساسية، خاصة في مجالات القراءة والرياضيات واللغات، وهو ما يجعل من إصلاح المدرسة رهانا وطنيا يتجاوز حدود القطاع ليصبح قضية تنموية بامتياز.

وفي هذا الإطار، جاء مشروع “المدارس الرائدة” ضمن خارطة الطريق 2022-2026 باعتباره محاولة لتجويد التعلمات وتحسين المردودية التربوية داخل المدرسة الابتدائية، من خلال اعتماد مقاربات بيداغوجية جديدة وتعزيز التأطير التربوي ومواكبة التلاميذ. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بقدرته على معالجة الإكراهات البنيوية التي تعاني منها المدرسة العمومية، وفي مقدمتها الاكتظاظ ونقص الموارد البشرية والتفاوتات المجالية.

وتظل العدالة المجالية في التعليم إحدى القضايا الأكثر إلحاحا في النقاش العمومي. فبالرغم من المجهودات المبذولة، ما زالت الفوارق قائمة بين المجالين الحضري والقروي، كما تتعمق الفجوة بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي. ففي الوقت الذي تستفيد فيه المؤسسات الخاصة من إمكانيات أفضل وتستقطب شريحة مهمة من الأسر، تواصل المدرسة العمومية تحمل العبء الأكبر في ضمان الحق في التعليم لفائدة الفئات الاجتماعية المتوسطة والهشة.

ويؤدي هذا الواقع إلى تكريس تفاوتات في الفرص التعليمية قد تنعكس مستقبلا على فرص الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، بما يطرح تحديات حقيقية أمام تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

كما أن جهة طنجة تطوان الحسيمة تواجه تحديا إضافيا يتمثل في الهجرة الداخلية نحو المدن الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها مدينة طنجة، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة نقطة استقطاب لآلاف الأسر الباحثة عن فرص الشغل والاستقرار. وقد أدى هذا التوسع الديمغرافي المتسارع إلى ضغط متزايد على البنيات التحتية الاجتماعية، بما فيها المؤسسات التعليمية.

وتعاني العديد من المدارس العمومية بالأحياء الجديدة والهامشية من مستويات مرتفعة من الاكتظاظ، ومن ضغط متزايد على الأطر التربوية والإدارية، فضلا عن صعوبات مرتبطة بتوفير الخدمات التعليمية في ظروف ملائمة. كما أن انتقال أسر في أوضاع اجتماعية واقتصادية هشة إلى هذه المناطق يجعل المدرسة مطالبة بأداء أدوار اجتماعية وتربوية إضافية تتجاوز وظيفتها التعليمية التقليدية.

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إصلاح المناهج أو تطوير الممارسات البيداغوجية، بل في بناء رؤية شمولية تجعل من المدرسة العمومية رافعة أساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية. وهو ما يقتضي الاستثمار في البنيات التحتية التعليمية، والحد من الاكتظاظ، وتحسين ظروف اشتغال الأطر التربوية، وضمان توزيع عادل للموارد والإمكانات بين مختلف المجالات الترابية.

إن الدفاع عن المدرسة العمومية ليس مجرد موقف تربوي، بل هو اختيار مجتمعي يعكس طبيعة النموذج التنموي الذي نطمح إليه. فالمجتمع الذي يريد تنمية عادلة ومستدامة هو المجتمع الذي يضع المدرسة في صلب أولوياته، ويجعل منها فضاء لتكافؤ الفرص وصناعة المستقبل.

وفي جهة طنجة تطوان الحسيمة، حيث تتسارع وتيرة التحولات الاقتصادية والاستثمارية، يبقى إصلاح المدرسة العمومية شرطا أساسيا لتحويل هذه الدينامية إلى تنمية حقيقية تشمل الجميع وتضمن استفادة مختلف الفئات الاجتماعية من ثمار النمو.

ويبقى السؤال مطروحا بإلحاح: هل نريد اقتصادا قويا فقط، أم نريد مجتمعا قويا يبدأ من مدرسة عادلة ومنصفة لأبناء وبنات الوطن؟

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image