مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي يرصد حصيلة النموذج التنموي الجديد بعد خمس سنوات

Fikri الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 19:56 l عدد الزيارات : 102008

بعد خمس سنوات على اعتماد النموذج التنموي الجديد، يضع تقرير تقييمي واستشرافي صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي حصيلة هذا الورش الوطني الكبير تحت مجهر القراءة الهادئة، بين ما تحقق من تقدم في عدد من المجالات، وما تعثر من أهداف ظلت دون مستوى الانتظارات، خاصة في التشغيل والتعليم والصحة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ويؤكد التقرير، المعنون بـ«خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد.. ماذا تحقق وما الذي تعثر؟»، أن الوثيقة المرجعية التي قدمت سنة 2021 جاءت في سياق وطني اتسم بالحاجة إلى إعادة التفكير في أسس التنمية بالمغرب، بعد بروز مفارقة واضحة بين حجم الاستثمارات والمشاريع الكبرى من جهة، واستمرار اختلالات بنيوية مرتبطة بسوق الشغل وجودة الخدمات العمومية والفوارق الاجتماعية والمجالية من جهة ثانية.

وقد راهن النموذج التنموي الجديد على تحقيق معدل نمو يفوق 6 في المائة سنويا في أفق 2035، مع جعل الرأسمال البشري في قلب السياسات العمومية، وبناء اقتصاد منتج وتنافسي، وتعزيز الدولة الاجتماعية، واستعادة الثقة في المؤسسات والسياسة باعتبارها شرطا أساسيا لإنجاح أي تحول تنموي عميق.

وعلى مستوى الحصيلة، يسجل التقرير تقدما مهما في ورش الحماية الاجتماعية، من خلال توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلى أكثر من 32 مليون مستفيد خلال سنة 2025، أي ما يعادل حوالي 88 في المائة من سكان المغرب، مقابل نحو 42 في المائة قبل إطلاق ورش التعميم. كما توقف التقرير عند توسع برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، الذي شمل حوالي 12.5 مليون مستفيد موزعين على ما يقارب 4 ملايين أسرة، بكلفة مالية ناهزت 40.5 مليار درهم.

غير أن هذا التقدم الكمي، حسب التقرير، لم ينه بعد إشكالات الولوج الفعلي إلى الخدمات الصحية وجودة التكفل واستدامة التمويل، إذ يشير إلى أن عدد المستفيدين الفعليين من التغطية الصحية عند متم سنة 2024 لم يتجاوز 25.6 مليون شخص، أي في حدود 70 في المائة، رغم ارتفاع أعداد المسجلين في النظام.

وفي محور الاستثمار، أبرز التقرير الدينامية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغت ميزانية الاستثمار العمومي المبرمجة برسم سنة 2026 حوالي 380 مليار درهم، كما صادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات، منذ بداية الولاية الحكومية، على 381 مشروعا استثماريا بقيمة إجمالية بلغت 581 مليار درهم، من المرتقب أن تساهم في إحداث أكثر من 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.

وتوقف التقرير أيضا عند ارتفاع مداخيل الاستثمار الأجنبي المباشر من حوالي 32 مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 56 مليار درهم سنة 2025، إلى جانب مواصلة تطوير البنيات التحتية الكبرى، خاصة في السكك الحديدية والموانئ والطرق والمطارات والطاقات المتجددة، بما يعزز تموقع المغرب كمنصة إقليمية للاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستيكية.

وفي قطاعات التعليم والصحة والتكوين، سجل التقرير عددا من الإصلاحات، من بينها توسيع التغطية الصحية، وإحداث مؤسسات جديدة للحكامة الصحية، وتعميم التعليم الأولي بنسبة بلغت حوالي 84 في المائة سنة 2025، ليستفيد منه ما يقارب 950 ألف طفل. كما أشار إلى توسع مشروع «مدارس الريادة»، من 626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2023-2024 إلى حوالي 2626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2025-2026.

لكن التقرير ينبه في المقابل إلى أن جودة الرأسمال البشري ما تزال تشكل الحلقة الأصعب في مسار تنزيل النموذج. فنتائج التلاميذ المغاربة في برنامج التقييم الدولي PISA 2022 ظلت متأخرة في القراءة والرياضيات والعلوم، فيما يناهز عدد المنقطعين عن الدراسة حوالي 280 ألف تلميذ وتلميذة سنويا. أما في الصحة، فيستمر الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، مع تسجيل هجرة سنوية لما بين 600 و700 طبيب نحو الخارج.

ويعتبر التقرير أن سوق الشغل يمثل أحد أبرز أوجه التعثر، إذ ظل معدل البطالة في حدود 13 في المائة سنة 2025، مع وجود أكثر من 1.6 مليون عاطل عن العمل. وتزداد حدة الإشكال في صفوف الشباب، حيث تتجاوز البطالة ثلث الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، وهو ما يعكس محدودية قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الاستثمار والنمو إلى فرص شغل مستقرة وذات قيمة مضافة.

كما يربط التقرير هذا التعثر بضعف النمو الاقتصادي، الذي ظل خلال السنوات الأخيرة في حدود 3 إلى 4 في المائة، بعيدا عن الهدف الذي حدده النموذج في أكثر من 6 في المائة. ويرى أن استمرار الاعتماد على أنشطة منخفضة الإنتاجية، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، وصعوبة ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل والفرص، كلها عوامل تحد من قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة وتوزيعها بشكل أكثر عدالة.

وفي ما يتعلق بالفوارق الاجتماعية والمجالية، يلفت التقرير إلى استمرار تمركز الثروة في عدد محدود من الجهات، حيث تستحوذ جهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة على حوالي 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، فيما تنتج جهة الدار البيضاء-سطات وحدها أكثر من 32 في المائة من الثروة الوطنية. كما يشير إلى أن 72 في المائة من الفقراء، وفق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد، ما يزالون متمركزين في الوسط القروي.

ويبرز التقرير كذلك أن تراجع دور السياسة والوساطة المجتمعية لصالح المقاربة التقنية في تدبير عدد من الإصلاحات ساهم في اتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات، خاصة في ظل استمرار ضعف الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي، وبروز احتجاجات اجتماعية ومهنية متكررة في قطاعات حيوية، من بينها التعليم والصحة والجماعات الترابية.

ومن بين الخلاصات القوية التي توقف عندها التقرير، استمرار مظاهر الريع والاحتكار وضعف تكافؤ الفرص، خاصة في قطاعات استراتيجية مثل المحروقات وبعض برامج الدعم العمومي. ويعتبر أن جزءا من الرأي العام بات ينظر إلى بعض الإصلاحات الكبرى بوصفها دينامية استفادت منها فئات محدودة أكثر مما استفادت منها الفئات الواسعة، وهو ما يطرح سؤال العدالة الاقتصادية ومراقبة أثر السياسات العمومية.

ويخلص التقرير إلى أن تصحيح مسار النموذج التنموي الجديد يمر عبر إعادة وضع الرأسمال البشري في قلب السياسات العمومية، وتسريع إصلاح التعليم والصحة والتشغيل، وتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستعادة دور السياسة والمؤسسات في تأطير المجتمع، مع محاربة الريع والاحتكار وضمان عدالة الولوج إلى الفرص والثروة.

وبذلك، لا يقدم التقرير صورة سوداء عن حصيلة خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي، لكنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن المغرب حقق تقدما في أوراش كبرى، غير أن الرهان الحقيقي لم يحسم بعد. فنجاح النموذج لن يقاس بحجم البرامج المعلنة أو الاعتمادات المرصودة، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وقدرتها على خلق الشغل، وتحسين المدرسة والمستشفى، وتقليص الفوارق، وبناء ثقة جديدة بين الدولة والمجتمع.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image