انطلقت صباح اليوم السبت 4 يناير 2025، بمدينة مراكش أشغال اليوم الثاني للندوة الإقليمية حول استقلال القضاء “رصد وتقييم في ظل تجارب إقليمية” المنظمة من طرف جمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة، ونادي قضاة المغرب، في إطار برنامج تعزيز الحوار المنظم مع المجتمع المدني في جنوب البحر الأبيض والمتوسط والاتحاد الأوربي.
وقد قدم عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية وممثله يونس الزهري، ، مداخلة حول حصيلة عمل المجلس واستقلالية السلطة القضائية في المغرب، مشددًا على أن استقلال القضاء ليس امتيازًا، بل هو حق أصيل للمتقاضين، يُكفل بضمانات مؤسساتية وإرادة ذاتية من القضاة، مشيرا إلى أن دستور 2011 رسخ مبادئ استقلال السلطة القضائية، مؤكدا أنها سلطة قائمة بذاتها وليست تابعة لأي جهة أخرى، إذ تم إلغاء أي دور لوزير العدل في تدبير الشأن القضائي، كما نص الدستور على منع أي تدخل في القضايا المعروضة أمام القضاء، ما يكرس حرية القضاة من أي ضغط أو تأثير خارجي.
وأكد أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بتركيبته المتنوعة والمحايدة، يتولى ضمان استقلال القضاة، من حيث التعيين والترقية والتقاعد والتأديب، بما يضمن الشفافية والنزاهة، متسائلا عن مدى كفاية الضمانات الحالية لتعزيز استقلال القاضي وحمايته من الحرج أو التأثير خلال نظره في القضايا، كما أوضح أن دستور 2011 أقر معايير محددة لاستقلالية القاضي، من بينها عدم عزله أو نقله إلا وفق القانون، بالإضافة إلى حق القضاة في حرية التعبير، بما يتماشى مع واجب التحفظ والأخلاقيات المهنية، وأيضا الانخراط أو إنشاء الجمعيات المهنية وفقا للقوانين المنظمة، قبل أن يشدد الزهري على أن المغرب نجح في تحقيق انسجام ملحوظ مع الأنظمة الدولية فيما يخص استقلال السلطة القضائية، معتمدا مبادئ قانونية وأخلاقية تعزز الثقة في العدالة، وتضمن تطبيقا عادلا للقانون.
بدوره قدم القاضي الملحق برئاسة النيابة العامة وممثلها عز الدين الماحي، مداخلة حول استقلالية النيابة العامة كمظهر جوهري من مظاهر استقلال السلطة القضائية، مشيرا إلى أن استقلال القضاء في المغرب يرتكز على جناحين أساسيين وهما المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، موضحا أن دستور 2011 شكل ثورة حقوقية أرست دعائم استقلال القضاء، حيث أدى الإصلاح إلى فصل النيابة العامة عن وزارة العدل في 7 أكتوبر 2017، بإرادة ملكية واستجابة لتطلعات المواطنين، ما عزز استقلاليتها، مشيرا إلى أن استقلالية النيابة العامة تكرست تشريعيًا من خلال سلطات الإشراف والمراقبة وسلطة الحلول، مع التأكيد على أن الجانب المالي يظل مشتركًا مع وزارة العدل، بينما يبقى الجانب القضائي شأنا خاصا بالسلطة القضائية.
كما أشار الماحي إلى أن هذه الاستقلالية لها حدود، حيث نص الدستور على التعاون بين السلطات، إلى جانب مبدأي المسؤولية والمحاسبة، مع ضرورة التقييم المستمر، قبل أم ينتقد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة “الأحكام الفيسبوكية”، التي قد تمس السلطة القضائية عبر نشر مغالطات غير موضوعية تستهدف إجراءات قانونية سليمة، ليشدد في ختام مداخلته على أن المغرب يسير بخطى متدرجة وثابتة نحو تعزيز استقلال القضاء، متفوقًا في هذا المجال على العديد من التجارب الدولية.
من جانبها قدمت ممثلة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مداخلة تقييمة لمسار إصلاح القضاء في المغرب، مؤكدة أن استقلال القضاء يُعد ركيزة أساسية لبناء دولة حديثة قائمة على سيادة القانون، مبرزة أن العلاقة الجدلية بين السلطتين القضائية والتنفيذية ما تزال تُطرح للنقاش، مما يستدعي تعزيز الضمانات الدستورية والقانونية لدعم استقلالية القضاء، مذكرة بمشاركة المجلس الوطني في الحوار الوطني حول إصلاح القضاء، حيث أصدر تقارير وإصدارات تناولت مختلف قضايا العدالة والتحديات التي تواجهها كتلك المتعلقة بالتأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، التي قد تساهم أحيانا في التشويش على عمل القضاء عبر نشر مغالطات تؤثر على الرأي العام.
في نفس السياق سلطت المتحدثة الضوء على قصور المؤسسة التشريعية في دعم استقلال القضاء من خلال بعض النصوص القانونية الغامضة، إضافة إلى إشكاليات تنفيذ الأحكام القضائية، خاصة تلك الصادرة ضد الإدارات العمومية، فضلا عن الصعوبات المالية التي تعيق تطوير الأداء القضائي، مؤكدة أن العدالة لا تقتصر فقط على إصدار أحكام مستقلة وعادلة، بل تتطلب تعزيز ثقة المواطنين في النظام القضائي ونشر المعلومات القضائية لتعزيز الشفافية، مشددة على أن إصلاح القضاء يحتاج إلى ترسيخ القيم والكفاءة وتعزيز رأس المال البشري، مع التأكيد على أهمية التعاون بين السلطتين القضائية والتشريعية لدعم استقلالية القضاء وتعزيز دولة الحق والقانون.
أما مداخلة رئيس المنتدبين القضائيين، رضوان بوسنينة، فقد تعلقت بتقديم دراسة تقييمية حول مشروع العدالة المنفتحة في ضوء مبادئ استقلال القضاء بالمغرب، مسلطا الضوء على العوامل التي تضمن نجاح هذا الورش الإصلاحي، حيث أكد المتحدث أن نزاهة المؤسسات تُشكل حجر الأساس لاستقلالية القضاء، مشيرًا إلى أهمية الشفافية في عمل هذه المؤسسات، بدءا من نشر معطياتها عبر مواقعها الإلكترونية، بما في ذلك تفاصيل الميزانية، وآليات التدبير، وتركيبة الأعضاء، وطبيعة المهام المنجزة، معتبرا أن هذه الشفافية تُمثل أحد مؤشرات التقييم الأساسية للنزاهة، مشددا على وجود علاقة وثيقة بين قوة المؤسسات واستقلاليتها من جهة، وبين المشاركة المجتمعية والدعم الدولي من جهة أخرى، مشيرا إلى أن تعزيز هذه العوامل وغيرها يساهم في إنجاح مسار الإصلاح القضائي، قبل أن يشير إلى أن العدالة المنفتحة تظل ورشا مستمرا يتطلب مواكبة دائمة، مؤكدا أن نجاحه مرهون بترسيخ مناخ ديمقراطي داعم، حيث أوصى بضرورة إشراك مختلف الفاعلين في منظومة العدالة لضمان تقييم شامل وفعّال، إلى جانب تعزيز الوصول إلى المعلومة، وتطوير الحكامة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة، ليختم بوسنينة مداخلته بالتأكيد على أن بناء عدالة منفتحة يتطلب التزاما مستمرا بالمبادئ الديمقراطية، والشفافية، والمشاركة المواطنة.
وعرف اللقاء نقاشات معمقة من الحاضرين، الذين أثاروا عدة قضايا، من بينها سبل تحسين أداء القضاء وتعزيز آليات الرقابة والتقييم، إلى جانب ضرورة توفير ضمانات إضافية لحماية القضاة أثناء أداء مهامهم.








تعليقات
0