أحمد بيضي
في سياق التحولات العميقة التي يشهدها المغرب في مجال الهجرة واللجوء، وبعد مرور عشر سنوات على إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، أعلنت “المنظمة المغربية لحقوق الإنسان” عن إصدار مذكرة ترافعية تروم تقييم هذه الاستراتيجية والوقوف عند حصيلتها، مع اقتراح سبل عملية لتعزيزها وتحيينها بما ينسجم مع الدستور المغربي والالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان، كما يأتي الإصدار في لحظة دقيقة تتقاطع فيها التحولات التشريعية والمؤسساتية مع تحديات واقعية متنامية، ما يفرض نقاشا عموميا هادئا ومسؤولا حول مستقبل سياسة الهجرة واللجوء بالمغرب.
وتقدم المذكرة قراءة تحليلية شاملة للإطار الحقوقي والدستوري والقانوني والمؤسساتي المنظم لقضايا الهجرة واللجوء، مبرزة في الآن ذاته التحديات المرتبطة بالتنزيل العملي للسياسات العمومية ذات الصلة، سواء على مستوى الحماية القانونية، أو الولوج إلى الحقوق والخدمات، أو آليات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، كما تقترح المذكرة مقاربات عملية تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، وتعزز المشاركة المجتمعية، وتوازن بين الحقوق والمسؤوليات، بما يفضي إلى سياسة هجرة ولجوء أكثر عدلاً ونجاعة وإنسانية، قادرة على الاستجابة للتحولات الوطنية والإقليمية والدولية.
وقد أُنجزت هذه المذكرة في إطار تعاون بين “المنظمة المغربية لحقوق الإنسان” و”مؤسسة فريدريش إيبرت” – مكتب المغرب، وهي متوفرة بثلاث لغات: العربية والفرنسية والإنجليزية، بما يتيح توسيع دائرة الاطلاع عليها وتداول مضامينها داخل الأوساط الحقوقية والأكاديمية والإعلامية، وعلى مستوى الفاعلين المؤسساتيين والمجتمع المدني، وذلك عبر الرابط https://www.omdh.ma/documents ومشاركتها والمساهمة في النقاش العمومي حول سبل تطوير سياسة الهجرة واللجوء بالمغرب، مؤكدة أن هذا الورش يهم المجتمع ككل، ويرتبط بصورة مباشرة بقيم التعايش والكرامة الإنسانية.
ويأتي هذا الإصدار الحقوقي بعد أيام قليلة من تعميم المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بيانا على خلفية الأحداث المؤسفة التي رافقت نهائي كأس إفريقيا 2025 بملعب مولاي عبد الله بالعاصمة الرباط، وما أعقبها من انتشار واسع على وسائل التواصل الاجتماعي لدعوات تضمنت خطابا تمييزيا وعنصريا موجها ضد المهاجرين القادمين من الدول الإفريقية والمقيمين بالمغرب، وقد اتخذت هذه الدعوات، بحسب ما ورد في بيان المنظمة، طابعا مقلقا اتسم في حالات كثيرة بالعدوانية والكراهية، بما يمس ويهدد بشكل مباشر السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية لضحايا هذا الخطاب التحريضي.
وفي هذا السياق، ذكرت “المنظمة بأن المغرب اعتمد منذ سنة 2013 الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، التي شكلت تحولا حقوقيا وسياسيا في تدبير قضايا الهجرة، وكرست مقاربة إنسانية قائمة على الحقوق والحماية والإدماج، كما أكدت أن الدستور المغربي لسنة 2011 ينص صراحة على تجريم التحريض على العنصرية والكراهية والعنف، ويضمن تمتيع الأجانب بالحريات الأساسية المعترف بها للمواطنين وفق الشروط التي يحددها القانون، مع حظر كل أشكال التمييز، واستحضرت المنظمة كذلك التزامات المغرب الدولية، ولاسيما الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
ونبهت المنظمة إلى أن التساهل مع انتشار خطابات العنصرية ومعاداة الأجانب من شأنه أن يقوض عقودا من التراكم الحقوقي والمؤسساتي الذي راكمه المغرب والمجتمع المدني في مجال حماية المهاجرين وتعزيز حقوقهم وإدماجهم، وعلى هذا الأساس، أعلن المكتب التنفيذي للمنظمة رفضه القاطع وإدانته الشديدة لكل الدعوات والمحتويات الرقمية التي استهدفت المهاجرين القادمين من الدول الإفريقية بخطاب عنصري تمييزي وتحريضي يخالف التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة، مطالبا بتفعيل القانون والتطبيق الصارم للمقتضيات القانونية في حق كل الصفحات والأشخاص الذين شجعوا أو بثوا خطاب العنصرية والكراهية والعنف.
كما دعت المنظمة إلى التسريع بإصلاح جذري وشامل للقانون رقم 02-03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب والهجرة غير النظامية، بما يجعله منسجما مع الدستور المغربي ومعايير حقوق الإنسان، وإلى انخراط قوي ومسؤول لوسائل الإعلام العمومية والخاصة في التحسيس والتوعية بخطورة نشر خطاب التمييز والكراهية، بما يتعارض مع قيم التعايش والاحترام المتبادل التي طالما شكلت ركيزة من ركائز المجتمع المغربي، ، وكذا بما تشكله هذه الممارسات من تهديد خطير للكرامة الإنسانية والسلم الاجتماعي، وتضع المذكرة الترافعية للمنظمة، بما تحمله من تشخيص واقتراحات، لبنة جديدة في مسار النقاش العمومي حول الهجرة واللجوء بالمغرب.








تعليقات
0