تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يحذر من أزمة مائية تهدد الأمن الغذائي و الطاقي في المغرب
في خطوة لرصد التحديات المتشابكة التي تواجه الموارد الطبيعية، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيا تحت عنوان: “النكسوس في مجالات الماء-الطاقة-الغذاء-النظم البيئية: تدبير أنجع للموارد الطبيعية، تعزيز التآزر والحد من المخاطر المشتركة بين القطاعات في المغرب”.
هذا الرأي، الذي تمت المصادقة عليه بالأغلبية خلال الدورة العادية الـ 160 للمجلس المنعقدة في 25 يوليوز 2024، جاء نتيجة نقاشات موسعة بين مختلف الفئات المكونة للمجلس، بالإضافة إلى جلسات إنصات مع الفاعلين الرئيسيين ومساهمات علمية من باحثين بجامعة ابن طفيل.
يعكس هذا الرأي التزام المغرب بتبني مقاربة شاملة لتدبير الموارد الطبيعية، خاصة في ظل الأزمة المائية غير المسبوقة التي يعاني منها.
فموجات الجفاف المتكررة، وتدهور جودة المياه، والممارسات غير المستدامة في استغلال الموارد المائية، تهدد الأمن الغذائي و الطاقي للبلاد.
وتشير الأرقام إلى أن نصيب الفرد من المياه المتاحة قد انخفض إلى أقل من عتبة الإجهاد المائي (1000 متر مكعب سنويًا)، ومن المتوقع أن يصل إلى 560 مترًا مكعبًا بحلول عام 2030، مما ينذر بكارثة إن لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة.
في مواجهة هذه التحديات، بذلت الحكومة المغربية جهودًا كبيرة لتحسين إدارة الموارد المائية. فبرنامج تحلية المياه، وتحسين نظم السقي، والبرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي، كلها مبادرات تسعى إلى تعزيز الأمن المائي. كما تم إنشاء هيئات مثل المجلس الأعلى للماء والمناخ واللجنة الوزارية للماء لتعزيز التنسيق بين القطاعات. ومع ذلك، تبقى هذه الجهود غير كافية في ظل استمرار الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.
على صعيد الأمن الغذائي، يواجه المغرب تحديات جسيمة بسبب ندرة المياه وتأثيرات التغير المناخي. فتراجع خصوبة التربة وتدهور الأراضي الزراعية يهددان الإنتاج الزراعي، مما يزيد من الاعتماد على الواردات الغذائية. هذا الاعتماد، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميًا، يضعف قدرة البلاد على تحقيق السيادة الغذائية. وللتصدي لهذه التحديات، تم تنفيذ عدة مشاريع تهدف إلى تعزيز التنسيق بين قطاعات الماء والطاقة والغذاء، مثل تحسين نظم السقي واستخدام الطاقات المتجددة في الزراعة. كما تم استثمار 50 مليار درهم لتحسين الزراعة القادرة على التكيف مع التحديات البيئية.
أما في مجال الأمن الطاقي، فإن المغرب يعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية احتياجاته الطاقية، حيث يتم استيراد 90% من هذه الاحتياجات. هذا الاعتماد يؤثر سلبًا على الميزان التجاري ويزيد من هشاشة الاقتصاد الوطني. ومع ارتفاع الطلب على الطاقة، تزداد أيضًا انبعاثات الغازات الدفيئة بسبب اعتماد قطاع الكهرباء على المحطات الحرارية التقليدية. ومع ذلك، حقق المغرب تقدمًا ملحوظًا في مجال الطاقات المتجددة، حيث بلغت حصص الطاقة الكهرومائية والريحية والشمسية نسبة كبيرة من القدرة الكهربائية المثبتة. كما تم تنفيذ برنامج الكهربة القروية الشاملة، الذي رفع نسبة التوصيل الكهربائي في المناطق القروية إلى 99.78% بحلول عام 2020.
لتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بضرورة تعزيز التنسيق بين القطاعات المختلفة، من خلال إحداث آليات للتنسيق بين الوزارات والمؤسسات المعنية. كما يجب تقوية الإطار القانوني والسياسات العمومية، عبر مراجعة التشريعات المتعلقة بقطاعات الماء والطاقة والغذاء، وإدراج مقاربة التكامل بينها. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر تعزيز القدرات الوطنية من خلال تطوير برامج تكوينية وتشجيع البحث والابتكار في هذا المجال. ولا يمكن إغفال أهمية تعزيز التمويل، عبر اعتماد آليات تمويل تحفيزية وتشجيع الشراكات بين القطاع العام والخاص.
في الختام، يواجه المغرب تحديات جسيمة على صعيد الأمن المائي والغذائي والطاقي، لكنه يبذل جهودًا كبيرة لمواجهتها. فمن خلال تحسين إدارة الموارد المائية، وتعزيز الإنتاج الزراعي، والاستثمار في الطاقات المتجددة، يمكن للمغرب أن يعبر هذه الأزمة بسلام. إلا أن النجاح في ذلك يتطلب تضافر الجهود على جميع المستويات، من الحكومة إلى القطاع الخاص والمجتمع المدني، لضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة.








تعليقات
0