يجتمع عدد من القادة العرب في السعودية يوم الجمعة 21 فبراير في قمة عربية مصغرة لمناقشة خطة مضادة لمقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة، والذي أثار استغرابًا وقلقًا واسعًا بسبب ما يتضمنه من محاولات لترحيل سكان القطاع إلى دول مجاورة كالأردن ومصر، مقابل مشروع أميركي لإعادة إعمار غزة وتحويلها إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”. القمة التي تعقد في الرياض تأتي في سياق تحركات عربية متسارعة لاحتواء تداعيات المقترح الأميركي، وسط إجماع غير مسبوق على رفض أي مشاريع تهجير قسري للفلسطينيين، رغم بروز تباينات في وجهات النظر حول مرحلة ما بعد الحرب، خاصة فيما يتعلق بإدارة غزة وإعادة الإعمار وتمويله.
ووفقًا لمصدر مقرب من الحكومة السعودية، فإن القادة العرب سيناقشون “خطة إعادة إعمار مضادة لخطة ترامب بشأن غزة”، حيث تسعى بعض الدول العربية، وعلى رأسها مصر، إلى تقديم رؤية شاملة تتضمن إعادة بناء القطاع وتوفير حلول بديلة دون المساس بالوجود الفلسطيني فيه. تأتي هذه القمة بعدما أثار الرئيس الأميركي صدمة عندما أعلن مقترحه الذي يقوم على سيطرة أميركية مباشرة على غزة، متجاهلًا بذلك الموقف العربي والدولي الرافض لأي تدخل خارجي لا يحترم الحقوق الفلسطينية. أثار هذا الطرح تنديدًا واسعًا، كونه يعيد إلى الأذهان ذكريات “النكبة” عام 1948، عندما أجبر مئات الآلاف من الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم بعد تأسيس إسرائيل، وسط مخاوف متزايدة من أن يكون مشروع ترامب مقدمة لعملية تهجير واسعة النطاق.
وكان مقررا أن تعقد القمة يوم الخميس، إلا أنه تم تأجيلها ليوم الجمعة مع توسيع نطاق المشاركة لتشمل جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست إلى جانب مصر والأردن والسلطة الفلسطينية. ووفقًا للمصدر السعودي، فإن القادة العرب سيناقشون بشكل أساسي “نسخة من الخطة المصرية”، حيث سبق أن أشار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، إلى أن مصر بصدد تقديم رد رسمي على مقترح ترامب، على أن يتم بحثه خلال الاجتماعات في الرياض.
حتى الآن، لم تصدر القاهرة تفاصيل رسمية بشأن خطتها، لكن مصادر دبلوماسية مصرية تحدثت عن أنها تقوم على ثلاث مراحل تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات. تبدأ المرحلة الأولى التي تستمر ستة أشهر بما يعرف بمرحلة “الإنعاش المبكر”، حيث يتم إدخال معدات ثقيلة لإزالة الركام وتحديد ثلاث مناطق آمنة داخل القطاع لنقل الفلسطينيين مؤقتًا إليها، مع توفير منازل متنقلة لضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية. المرحلة الثانية تشمل عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار مع بقاء السكان في القطاع، إلى جانب إعادة تدوير الأنقاض لاستخدامها في أعمال البناء، وبدء العمل على إعادة تأهيل البنية التحتية وإنشاء وحدات سكنية جديدة، وتوفير الخدمات الأساسية من تعليم وصحة. أما المرحلة الثالثة فتتمثل في إطلاق مسار سياسي طويل الأمد يهدف إلى تنفيذ حل الدولتين، مما يضمن استقرارًا دائمًا للفلسطينيين، ويعزز فرص التهدئة المستدامة.
الأمم المتحدة قدرت أن إعادة إعمار غزة تحتاج إلى أكثر من 53 مليار دولار، من بينها 20 مليارًا خلال السنوات الثلاث الأولى فقط، ما يجعل مسألة تمويل المشروع أحد أبرز التحديات التي تواجه القمة. ووفقًا لدبلوماسي عربي مطلع، فإن هناك خلافًا حول كيفية توفير التمويل، حيث من المتوقع أن تقدم دول مثل الكويت دعمًا ماليًا بدوافع إنسانية، في حين تضع دول خليجية أخرى شروطًا محددة قبل الموافقة على أي تحويلات مالية. ويشير خبراء إلى أن السعودية والإمارات لن تقدما أي تمويل دون الحصول على ضمانات واضحة من قطر ومصر بشأن مستقبل قطاع غزة، خصوصًا فيما يتعلق بدور حركة حماس، التي تعتبر نقطة خلاف رئيسية في هذه المباحثات.
من بين القضايا الأكثر حساسية التي تناقشها القمة مسألة من سيتولى الإشراف على غزة بعد الحرب، حيث تتضمن الخطة المصرية تشكيل “إدارة فلسطينية غير منحازة لأي فصيل”، تتألف من شخصيات مستقلة وخبراء، وتكون تابعة سياسيًا وقانونيًا للسلطة الوطنية الفلسطينية. كما تتضمن نشر قوة شرطية تابعة للسلطة الفلسطينية يتم تعزيزها بعناصر أمنية مصرية وعربية ودولية لضمان استقرار الوضع الأمني. في المقابل، تصر الرياض على ضرورة أن تكون السلطة الفلسطينية هي الجهة المسؤولة عن القطاع، بينما شددت قطر على أن مستقبل غزة يجب أن يكون قرارًا فلسطينيًا خالصًا.
ويرى الخبراء أن تبني هذه الخطة يتطلب مستوى غير مسبوق من الوحدة العربية لمواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي قد تعرقل تنفيذها. ويشير محللون إلى أن نجاح أي خطة بديلة لمقترح ترامب يعتمد على إحداث تغييرات جوهرية داخل القطاع، وإيجاد صيغة توافقية تضمن القبول الإقليمي والدولي، في ظل استمرار التعقيدات السياسية والميدانية المحيطة بالملف الفلسطيني.








تعليقات
0