الاقتصاد الحدودي بتطوان الكبرى: بين إرث الهشاشة وفرصة الاندماج في مغرب 2030

ittihadpress الثلاثاء 27 يناير 2026 - 17:50 l عدد الزيارات : 73247

محمد السوعلي

تشكل المناطق حيثما وجدت أماكن حساسة وبالغة التعقيد. والمنطقة الحدودية الرابطة بين تطوان والمضيق والفنيدق وسبتة السليبة لا تشكل استثناء، إذ يمكن تصنيفها ضمن المجالات السوسيو-اقتصادية الأكثر تعقيدًا وحساسية بالمملكة. فهي ليست مجرد نقطة عبور، بل مجال اجتماعي-اقتصادي تشكّل عبر عقود حول اقتصاد حدودي غير مهيكل وفّر مورد عيش لآلاف الأسر، لكنه ظل هشًا ومرتهنًا لتقلبات القرار الحدودي والظرفية السياسية. وقد كشفت الإغلاقات المتتالية وتغيّر قواعد العبور محدودية نموذج اعتمد على “تدبير اليومي” بدل بناء بدائل تنموية مندمجة.

تاريخيًا، قامت المبادلات التجارية بين سبتة وتطوان الكبرى على تكامل واقعي: تدفقات يومية للسلع، خدمات نقل وتخزين، رأسمال صغير، تجارة القرب، وشغل غير مباشر. أسهم هذا التكامل في تنشيط الأسواق المحلية وتخفيف الضغط الاجتماعي، لكنه ظل خارج أي إطار منظم، بلا حماية اجتماعية ولا اعتراف قانوني. ومع كل تضييق، كانت النتائج فورية: انكماش النشاط، ارتفاع البطالة، وتنامي الإحساس بالحيف. هنا يبرز جوهر الإشكال: غياب سياسة عمومية واضحة للاقتصاد الحدودي، وتعويضها بمقاربة أمنية لا تُنتج تنمية ولا استقرارًا مستدامين.

وليس هذا الترابط الاقتصادي وليد اللحظة؛ فقد كانت تطوان في الماضي مدينة صناعية بامتياز، شكّلت أحد الأقطاب الإنتاجية والتجارية بالشمال. عرفت المدينة أنشطة صناعية وحرفية مزدهرة ونسيجًا تجاريًا نشيطًا، وكانت مرتبطة بمنظومة نقل حديثة نسبيًا في ذلك الزمن، من بينها النقل السككي الذي ربط تطوان بمدينة سبتة السليبة، ما ساهم في رواج تجاري متميّز وحركية اقتصادية منتظمة بين الضفتين. استحضار هذا البعد التاريخي ليس حنينًا إلى الماضي، بل تذكير بأن تطوان تمتلك ذاكرة صناعية وتجارية وأن إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية والدولية هي استعادة لدور طبيعي سُلب منها تدريجيًا بفعل اختيارات تنموية غير متوازنة.

تؤكد التجارب المقارنة أن الاقتصاد غير المهيكل لا يختفي بالمنع وحده؛ بل يتكيف ويتحوّل. البديل الواقعي هو الاعتراف بالمعطى الاقتصادي وإدماجه تدريجيًا في قنوات قانونية مبسطة تراعي خصوصيات المجال وتحمي الفئات الهشة. من هذا المنطلق، يكتسي إقرار نظام مبسط للتجارة الحدودية لفائدة صغار التجار أهمية استراتيجية: سقوف واضحة، مساطر رقمية شفافة، واجبات ملائمة، مقابل الولوج للحماية الاجتماعية والاعتراف المهني. هذا الاختيار لا يُجفف التهريب المعيشي فحسب، بل يعيد ضخّ المبادلات في الاقتصاد المحلي ويُحصّن السلم الاجتماعي.

غير أن هذا التحول لن ينجح دون إعادة هندسة استراتيجية المناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية والمناطق الحرة بتطوان والمضيق والفنيدق. فالإشكال ليس ندرة العقار، بل ضعف الارتباط بين هذه المناطق وحاجيات النسيج المحلي ونقص الخدمات والبنيات المشتركة. المطلوب هو تأهيل المناطق القائمة (بنيات تحتية، خدمات لوجستيكية، رقمنة، تسهيل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة) وربطها بالتكوين والتشغيل والطلب العمومي. وبالتوازي، يتعيّن إحداث مناطق أنشطة اقتصادية قُربوية جديدة متخصصة وكثيفة التشغيل (التحويل الغذائي، الصناعة التقليدية المهيكلة، اللوجستيك، الاقتصاد الدائري، والخدمات السياحية) ضمن منطق العدالة المجالية. أما المناطق الحرة فينبغي أن تُبنى على التكامل الذكي مع أقطاب طنجة، لا على منافسة غير متكافئة تستنزف القيمة المضافة.

المشروع المهيكل الأكبر: الربط السككي والانفتاح المتعدد الوسائط

إلى جانب هذه الأوراش، يبرز مشروع الربط السككي الساحلي بين طنجة وتطوانمرورًا بميناء طنجة المتوسط والفنيدق والمضيق ومرتيل—كرافعة مهيكلة قادرة على تغيير قواعد اللعبة. فهذه البنية ستمنح مرونة حاسمة للمبادلات داخل متروبول طنجة–تطوان: خفض كلفة اللوجستيك، تسريع تنقل الأشخاص والبضائع، ربط مناطق الأنشطة بالمنظومة المينائية، وتعزيز جاذبية الاستثمار المنتج. ويجدر التذكير في هذا الخصوص ببعض محاور الحوار الوطني لإعداد التراب، خصوصا في شقها المتعلق بخلق ثنائية قطبية تجمع مدينتي طنجة وتطوان، الشيء الذي من شأنه أن يقوي مسار انفتاح تطوان على المجال الجهوي والدولي ، فضلا عما يمكن أن يشكله ربط تطوان بـالطريق السيار طنجة–تطوان، وبالنقل الجوي من خلال رحلات منتظمة مع عواصم أوروبية وإفريقية، إلى جانب رحلات داخلية قارة تنطلق من مطار سانية الرمل.من إمكانات هامة لتطور هذه المنطقة. هذا التكامل بين السكك والطرق والمطارات يرفع قابلية الوصول، ويقلّص آجال التنقل، ويُحسّن مناخ الأعمال، بما يسمح للمستثمرين بالتمركز في الإقليم واتخاذه قاعدة للإنتاج والخدمات والتصدير.

أفق 2030: الاختيارات الاقتصادية أولًا

في المحصلة، يشكّل ملف باب سبتة اختبارًا سياسيًا وتنمويًا لقدرة الدولة على الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء الحلول. إن الاختيارات الاقتصادية المهيكلةإدماج الاقتصاد الحدودي، تأهيل وتوسيع مناطق الأنشطة، إنجاز الربط السككي، وتعزيز الربط الطرقي والجوي—هي التي ستُهيّئ قطب تطوان للاندماج في الدينامية الوطنية والدولية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030. وفي هذا السياق، فإن إنجاز مركّب رياضي حديث وملعب لكرة القدم ليس مطلبًا رمزيًا، بل مطلبًا صريحًا عبّرت عنه السلطات والمنتخبون والمجتمع المدني وجماهير المغرب التطواني.

خلاصة 

إن مستقبل الاقتصاد الحدودي بتطوان الكبرى لم يعد يحتمل منطق الانتظار أو تدبير الظرفية. وحدها رؤية اقتصادية ترابية مندمجةتربط الحدود بمناطق الأنشطة وبالبنيات التحتية المتعددة الوسائط—قادرة على تحويل هذا المجال من عبء اجتماعي إلى فرصة تنموية حقيقية. إدماج الاقتصاد الحدودي، وتأهيل وتوسيع النسيج الإنتاجي، والاستثمار في السكك والطرق والمطارات والبنيات الرياضية ليست مشاريع منفصلة، بل حلقات في مسار واحد يعيد تموقع تطوان الكبرى داخل الدينامية الوطنية والدولية. وبوضوح الاختيارات وجرأة القرار وإشراك المنتخبين والمجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين، يمكن لتطوان الكبرى أن تنتقل من إرث الهشاشة إلى فرصة الاندماج والإشعاع في مغرب ما بعد 2030.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image