أكد مركز الاستشراف الاقتصادي و الاجتماعي، أنه لاستشراف آفاق تطوير المشروع الاستراتيجي ورش الحماية الاجتماعية وضمان استدامته وتعزيز فعاليته، يتطلب اعتماد رؤية شاملة ترتكز على إصلاحات هيكلية ومبتكرة تستهدف تعزيز التمويل، تحسين الاستهداف، تطوير الخدمات، وإدماج الفئات الهشة، وذلك لتحقيق أهداف العدالة الاجتماعية والرفاه المنشود.
وأوضح مركز الاستشراف الاقتصادي و الاجتماعي في تقريره الذي أعده علي الغنبوري، رئيس المركز، أن تعزيز الاستدامة المالية لمنظومة الحماية الاجتماعية، يشكل ركيزة أساسية لضمان استمراريتها، ويتطلب ذلك تعبئة موارد مالية إضافية من خلال تنويع مصادر التمويل، كتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص وإنشاء صناديق استثمارية مخصصة لدعم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي، كما يستلزم الأمر إصلاحات تشريعية تعزز كفاءة جمع الاشتراكات الاجتماعية، مثل تشديد الرقابة على التهرب من التسجيل، وتطوير أنظمة دفع مرنة تناسب الفئات ذات الدخل المنخفض، بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساهم مراجعة الإطار القانوني في تحسين الحكامة المالية للنظام، من خلال وضع آليات لترشيد النفقات، تقليص الهدر، وضمان توجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية، مما يعزز التوازن بين المداخل والمصروفات ويقلل من الضغط على الميزانية العامة.
وشدد تقرير المركز، على أن تحسين آليات الاستهداف، يعد أحد المداخل الرئيسية لرفع نجاعة برامج الحماية الاجتماعية في المغرب، لاسيما في ما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، فاستهداف الفئات الأكثر هشاشة بدقة يتطلب تطوير قواعد بيانات موثوقة تعتمد على معايير واضحة ومنطقية، مثل مستوى الدخل، الوضع العائلي، والظروف الاجتماعية، ورغم التقدم الملحوظ الذي أُحرز في هذا المجال من خلال إحداث السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، اللذين مثلا خطوة هامة نحو توحيد البيانات وتحسين إدارة الدعم، فإن المنظومة لا تزال تعاني من اختلالات تعيق تحقيق منطق الاستهداف الأمثل للفئات الهشة والفقيرة.
وأشار التقرير، أنه من أبرز هذه الاختلالات، العتبة المعتمدة في المؤشر الخاص بالاستفادة من التغطية الصحية والدعم الاجتماعي، التي تعتمد على نقاط ومؤشرات تبدو في بعض الأحيان غير متسقة مع الواقع الاجتماعي، فعلى سبيل المثال، يعتبر التوفر على خط هاتفي أو بعض الممتلكات البسيطة معيارا قد يخرج أسرا من دائرة الاستحقاق، رغم أن امتلاك هذه العناصر لا يعكس بالضرورة تحسنا في الوضع المادي أو خروجا من دائرة الهشاشة، و هو ما يؤدي في كثير من إلى استبعاد فئات محتاجة فعليا، في حين قد يستفيد آخرون لا يستوفون شروط الهشاشة الحقيقية، مما يضعف فعالية الدعم ويقلل من تأثيره الاجتماعي.
وجاء في التقرير، “في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض المؤشرات المعتمدة للاستهداف، من خلال تحديثها وجعلها أكثر ملاءمة للواقع المعيشي للأسر المغربية، كما يمكن تعزيز فعالية الدعم عبر إجراء تقييمات دورية لاحتياجات المستفيدين، ومن الخيارات الممكنة أيضا، الانتقال من الدعم العام إلى الدعم المشروط، كربط المساعدات بتحقيق أهداف محددة مثل التعليم أو الرعاية الصحية للأطفال، مما يحقق مردودا اجتماعيا أكبر، يقلص التكاليف غير الضرورية، ويعزز العائد على الاستثمار الاجتماعي.”
كما أكد التقرير، على ضرورة إدماج القطاع غير المهيكل في المنظومة الاجتماعية، حيث يبقى إدماج القطاع غير المهيكل، الذي يشكل أكثر من 60% من القوى العاملة، هدفا استراتيجيا لتوسيع قاعدة المستفيدين والمساهمين في منظومة الحماية الاجتماعية، ولتحقيق ذلك يمكن اعتماد سياسات تحفيزية تشجع العاملين في هذا القطاع على التسجيل، كتقديم اشتراكات مخفضة أو مدعمة، مع تسهيل الإجراءات الإدارية عبر منصات رقمية، كما يمكن تطوير برامج تأهيل و تكوين مهني خطوة أساسية لتسهيل انتقال هؤلاء العاملين إلى القطاع المهيكل تدريجيا، مما يعزز استقرارهم الاقتصادي ويمكنهم من المساهمة المالية في النظام، وفي الوقت ذاته يمكن للحكومة العمل على تهيئة بيئة قانونية واقتصادية داعمة، كتخفيف الضرائب على الأنشطة الصغيرة الناشئة، لتشجيع الهيكلة وتقليص حجم هذا القطاع، مما يعزز من استدامة التمويل ويحقق تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات.
وشدد المصدر ذاته، على ضرورة تحسين وتيرة التنمية والتشغيل، حيث يعد تحسين وتيرة التنمية الاقتصادية وتعزيز فرص التشغيل أحد الآفاق الاساسية لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية في المغرب، إذ لا يمكن تجاوز التحديات والإكراهات المالية التي تواجه هذه السياسات إلا من خلال رفع نسق النمو وتوسيع قاعدة العاملين المساهمين في النظام، فالتنمية تشكل المحرك الأساسي لتعبئة الموارد المالية اللازمة، سواء عبر زيادة الإيرادات الضريبية أو تعزيز الاشتراكات الاجتماعية الناتجة عن تحسين مستوى التشغيل، و هو ما يفرض تحسين منظومة التكوين والتعليم لتكون قادرة على مسايرة الإيقاع التنموي المغربي.
وأشار إلى أن توفير فرص شغل مستدامة سيساهم في تقليص الاعتماد على الدعم الاجتماعي المباشر، حيث إن تحسين الدخل الفردي والأسري يقلل من حجم الفئات الهشة ويعزز قدرتها على المساهمة في تمويل التغطية الصحية والخدمات الاجتماعية، وهو ما يبرز أهمية الاستثمار في القطاعات ذات القدرة التشغيلية العالية، كالصناعة، الفلاحة المستدامة، والتكنولوجيا، مع تشجيع ريادة الأعمال والمشاريع الصغرى لتوسيع قاعدة الاقتصاد المهيكل، وهو ما سيمكن منتخفيف الضغط على الميزانية العامة، ويعزز استدامة المنظومة الاجتماعية، مع ضمان تحقيق توازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.








تعليقات
0