بتفعيل ميناء الناظور ومركبه، ضرب ملك البلاد 10 عصافير بميناء واحد…والطموح في فلسفته، أن الدول التي لا تروض بحارها، لا تدخل التاريخ عادة.
قبل مجيء محمد السادس إلى الحكم، كان على طاولة الأجندة البحرية للمغرب مشروع حكومي، ميناء جديد بطنجة على الواجهة الأطلسية، قدم للمرحوم الحسن الثاني، في آخر أيامه، بل وصلت الأمور إلى حدود توقيع الوزير الأول آنذاك عبد الرحمان اليوسفي على وثائق الإنجاز مع الشركة الفرنسية “بويغ”.
كان وصول الملك محمد السادس تحولا جذريا في التوجه، قاعدته تنمية الشمال، الذي حظي عنده بمكانة خاصة كما هو معروف، وكان الرهان عودة المغرب إلى عمقه المتوسطيmditerraniser le Maroc، ولعل في ذلك إعادة قراءة الموقع المغربي في علاقة بالجار الشمالي ومواقفه وقتها من المغرب وقضاياه، وكذا اقتصاد البلاد وموقع الثغرين المحتلين سبتة ومليلية.
كل هاته الترسانة كانت حاضرة في ذهن الملك الجديد وحسمت وقتها الخيار المتوسطي لميناء طنجة، الذي كنا قد أدرنا ظهرنا له، وبالتوجه الملكي لم نخرج من الخيار الجغرافي الأطلسي وحده بل كنا قد خرجنا من الخيار الزمني الحاضر إلى القرن الواحد والعشرين.
ميناء الناظور، الذي ولد التفكير فيه في الفترة نفسها وبآليات التحليل نفسها، كان الصينيون قد اقترحوا إنجاز مشروعه على شاكلة ميناء طنجة المتوسطي، لكن هذا المشروع أرفقه الصينيون بمطالب لم تكن تغري بالمسايرة، والتقى عاملان في وقف المشروع، الأول أن المطالب كانت تمس بالسيادة الوطنية من حيث اشتغال الميناء لمدة تساوي مدة اشتغال موانئ هونغ كونع أو ماكاو، ومن جهة أخرى تطورات الأزمة المالية 2008 التي أثرت على الملاحة الدولية. عموما، يمكننا أن نعدد عشرة أهداف استراتيجية اليوم على الأقل:
1- نفس الطموح الملكي، ميناء طنجة وميناء الناظور غرب المتوسط لربط الحوض المتوسطي من أطرافه، عبر بنية تحتية مغربية، وضمن تصور شمولي لعلاقة المغرب بالبحر الأبيض المتوسط، ولعله تصور مغاير لما سار عليه المغرب لقرون عديدة…
2-امتلاك قاعدتين في المتوسط لتموقع اقتصادي وتجاري قوي بعيدا عن تقلبات الجغرافيا السياسية، هو من صميم المشاريع الاستراتيجية التي يكتسي بها المغرب بعده المتوسطي كاملا.
3-المغرب البلد الوحيد في منطقة الأورو متوسط الذي له هذا الامتياز، ومكانته في الخارطة الدولية للموانئ تجاوزت من كان يستفرد بريادتها من عشرين سنة.
4–نمط التدبير هو “الحكم بالمعجزة Sur le mode miracle”
5-المصالحة الترابية شرق الريف، وباقي الشمال الشرقي، بانعكاسات ما سيحصل، ومن ذلك الانعتاق من قدر الحدود الشرقية واللصيقة واقتصادهما حتى لا تظل حائط المبكى الدائم، والارتباط بإفريقيا جنوبا وبأوروبا شمالا، مع تثمين المنتج المحلي فلاحيا وصناعيا (حقول تندرارة والنواحي)،
الأبعد من ذلك، أن دعوة الملك لأن تنعكس مردودية الميناء على الأقاليم المحيطة تحمل في عمقها أفقا بعيد المدى، إذ تفتح الطريق سيارا لتطوير الهوية المتوسطية للمنطقة الشرقية، كما تعزز قربها من إفريقيا جنوبا.
ولعل في الالتفاف على شرط الجوار الصعب، دليل سابق في الالتفاف على الإكراه الإسباني في استغلال ظروف المغرب الخاصة.
6- توطيد المدن المهنية في الشرق، وفتح آفاق التشغيل في منطقة نسبة بطالتها عالية.
7-الانعتاق من الارتهان للغاز الطبيعي وكلفته، وتوفير احتياجاتنا بثمن أقل.
8-توفير شروط سيادة طاقية، بلد بلا غاز ولا بترول يحقق سيادته في هذا المجال، شيء يستحق أن يدرس. إضافة إلى مشروع يشترك مع المشاريع الوطنية الكبرى في العديد من الخاصيات، ومنها أنه عنوان للعصرنة والانفتاح المتوازن وغير المعقد، والسيادة الفعلية المتحكم فيها، والإرادوية في التنمية، والدور الإدماجي للدولة، وهو مشروع تكمن أهميته في الخروج من دائرة التوتر الترابي .
9-تأهيل البنية البحرية من أجل الاستعداد لتطوير الأسطول- كأفق ورد في خطب الملك- لا سيما في خطاب المسيرة يوم 6 نونبر 2023 ، وفيها كان ملك البلاد قد أعلن عن قرب تكوين أسطول بحري قوي للمغرب.
10 –تأمين الثقة الأجنبية في الاستثمار المغربي عبر مشاريع ذات حمولة حضارية إلى جانب نجاعتها الاقتصادية، مع ما تمثله من تجاوز لكل العراقيل المتعمدة أو غير المتعمدة التي تقف في وجهه: يعني تعبيد الطريق الملكي نحو توفير شروط الاستثمارات الحاسمة…








تعليقات
0