ليست فيضانات الغرب المتوقعة والتي دفعت إلى تعليق الدرلسة حدثًا مفاجئًا ولا استثناءً عن القاعدة، بل نتيجة منطق جغرافي-مائي دقيق. ما يُعرف محليًا بـ«الوحوش الأربعة» ليس توصيفًا شعريًا بقدر ما هو تلخيص لواقع هيدرولوجي شديد التعقيد، تقوده أربعة مجارٍ مائية كبرى تلتقي لتُشكّل أخطر منظومة فيضانية بالمغرب.
القصة تبدأ من إقليم تاونات، القلب النابض لحوض سبو. هنا يلتقي أول وحشين: واد سبو القادم من الأطلس المتوسط، مدعومًا بتصريفات سد علال الفاسي، وواد إيناون المنحدر من سد المولى إدريس الأول، حاملًا مياه مناطق واسعة من تاونات. ينضاف إليهما واد اللبن، وهو رافد أقل شهرة لكنه سريع الجريان، يجمع مياه المجال القروي المجاور. هذا الالتقاء الثلاثي يخلق ضغطًا مائيًا مبكرًا، تظهر آثاره في تاونات وتمتد أحيانًا إلى ضواحي فاس.
غير أن التحول الحاسم يقع عند أبا محمد، حيث يدخل الوحش الرابع والأكثر شراسة: واد ورغة. ورغة ليس مجرد رافد، بل حوض مائي قائم بذاته، يجمع مياه تاونات وكتامة، وتغذّيه أودية قادمة من ثلاثاء كتامة وإساكن، مع مساهمات مائية من إقليم الحسيمة. عند هذا اللقاء، تختفي الأسماء تدريجيًا، وتذوب الأودية في مجرى واحد يحمل اسمًا واحدًا: سبو.
وتتعاظم الخطورة بوجود سد الوحدة، ثاني أكبر سد في إفريقيا، بسعة تقارب 3.7 مليارات متر مكعب. عندما ترتفع التساقطات ويقترب السد من طاقته القصوى، يصبح أي تصريف إضافي عامل ضغط مباشر على مجرى سبو في اتجاه السهول.
وعند وصول النهر إلى سهول الغرب، تتكامل شروط الفيضانات: أرض منبسطة، انحدار ضعيف، وتصريف بطيء. هنا تتحول قوة المياه القادمة من الأطلس والريف إلى فيضانات واسعة تمس القرى، الحقول، والبنيات التحتية.
فيضانات الغرب ليست لغزًا، بل نتيجة اجتماع «الوحوش الأربعة»: سبو، ورغة، إيناون، وواد اللبن، داخل حوض واحد، وفي زمن مطري واحد. من عاش على ضفاف سبو يدرك أن جزءًا كبيرًا من مياه المغرب يمر من هنا قبل أن يبلغ البحر، ومع كل شتاء قوي، يعيد النهر فرض منطقه الجغرافي الصارم.








تعليقات
0