في مؤشرات مقلقة تؤكد عمق أزمة المدرسة العمومية المغربية، تكشف الأرقام أن قرابة مليون تلميذ يرسبون سنويًا، فيما يضطر حوالي 280 ألف تلميذ إلى مغادرة مقاعد الدراسة بشكل مبكر في مختلف المستويات التعليمية، ما يعكس حجم الهدر المدرسي والخلل البنيوي الذي يعيق تحقيق مدرسة الجودة والإنصاف.
هذه المعطيات تؤكد أن المنظومة التربوية تواجه تحديات متراكمة، ليس فقط على مستوى البنية التحتية أو الموارد البشرية، بل في صلب وظائف المدرسة التي يفترض أن تكون حاضنة للمعرفة، ضامنة للارتقاء الاجتماعي، ومجسدة لمبدأ تكافؤ الفرص. إذ أن استمرار هذا المعدل المرتفع من الرسوب والانقطاع يشكل استنزافًا مزدوجًا للموارد المالية والبشرية، ويزيد من تعقيد رهانات إصلاح التعليم.
وبلغة الأرقام، فإن كل موسم دراسي يشهد رسوب حوالي مليون تلميذ، ما يعني إعادة ضخ جزء كبير من الاعتمادات المالية لتغطية تكاليف التمدرس من جديد، دون عائد فعلي على جودة التعلم. أما مغادرة 280 ألف تلميذ للفصول، فتمثل نزيفًا حادًا يهدد مستقبل أجيال بأكملها، خاصة في العالم القروي والمناطق الهشة التي تعاني من ضعف العرض المدرسي وتفشي الفقر والهشاشة الاجتماعية.
ويجمع الفاعلون في الشأن التربوي على أن جزءاً كبيراً من هذه الأرقام يعود إلى غياب استراتيجية مندمجة لمحاربة الهدر المدرسي، وإلى ضعف نظام الدعم المدرسي، وغياب التوجيه الفعال، واهتزاز العلاقة بين التلميذ والمدرسة نتيجة المناهج الجافة وأساليب التدريس التقليدية. كما يُسجَّل أن نظام التقييم والامتحانات ما يزال بعيداً عن منطق الإنصاف، ويكرّس الفشل بدل أن يفتح أبواب التدارك والتقوية.
ويثير هذا الواقع تساؤلات عميقة حول مدى نجاعة البرامج الإصلاحية المتعاقبة، وعلى رأسها “الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030” ومخططات تنزيل القانون الإطار رقم 51.17، في تحقيق تحول فعلي في أداء المدرسة العمومية. كما يضع الحكومة والوزارة الوصية أمام مسؤولية تاريخية لوضع حد لهذا النزيف التربوي، عبر تدخلات عاجلة وشجاعة، ترتكز على الدعم النفسي والتربوي للتلاميذ، وتحفيز المدرسين، وتحسين المناخ المدرسي، وربط التعليم بواقع الحياة والمهارات.








تعليقات
0