رغم ما توحي به بعض المؤشرات الرقمية من تحسن نسبي في وضعية سوق الشغل خلال سنة 2025، تكشف قراءة متأنية لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط عن صورة أكثر تعقيدًا، عنوانها الأساسي: تحسن كمي لا يوازيه تحسن نوعي، واختلالات بنيوية ما تزال تقاوم كل محاولات المعالجة الظرفية.
فعلى مستوى الأرقام الخام، أحدث الاقتصاد الوطني 193 ألف منصب شغل صافي خلال سنة واحدة، وهو رقم يبدو إيجابيًا مقارنة بسنة 2024. غير أن هذا التحسن يظل هشًا، لأنه تحقق أساسًا في الوسط الحضري، مقابل استمرار نزيف الشغل بالوسط القروي الذي فقد 10 آلاف منصب، ما يعكس استمرار هشاشة البنية الاقتصادية القروية وارتهانها لعوامل مناخية وفلاحية غير مستقرة .
الأكثر دلالة من رقم مناصب الشغل هو طبيعتها. فالنمو المسجل يهم أساسًا الشغل المؤدى عنه، في حين تراجع الشغل غير المؤدى عنه، وهو تحول إيجابي من حيث الشكل، لكنه يخفي واقعًا أقل تفاؤلًا عند تفكيك المعطيات: جزء مهم من هذه المناصب يتركز في قطاعات الخدمات والبناء، وهي قطاعات معروفة بضعف الاستقرار، وبارتفاع نسب الهشاشة، وساعات العمل المفرطة، وضعف التغطية الاجتماعية.
بطالة أقل… لكن الشباب خارج المعادلة
تراجع معدل البطالة على المستوى الوطني من 13,3% إلى 13%، وهو انخفاض محدود إحصائيًا، لكنه سرعان ما يفقد معناه عند النظر إلى الفئات العمرية والاجتماعية. فبطالة الشباب ما بين 15 و24 سنة ارتفعت إلى 37,2%، في مؤشر مقلق يؤكد أن سوق الشغل ما يزال عاجزًا عن استيعاب الداخلين الجدد، خصوصًا من حاملي الشهادات.
الأمر لا يتوقف عند ارتفاع البطالة، بل يمتد إلى طول مدتها. فقد ارتفع متوسط مدة البطالة إلى 33 شهرًا، مع زيادة نسبة العاطلين الذين لم يسبق لهم أن اشتغلوا أصلًا. وهذا المعطى يكشف فشلًا مزدوجًا: فشل منظومة التكوين في ضمان قابلية التشغيل، وفشل الاقتصاد في خلق فرص إدماج أولي فعّالة.
النساء: الحضور الأضعف والأكثر هشاشة
تكشف معطيات 2025 استمرار التفاوت الصارخ بين الجنسين. فمعدل نشاط النساء لا يتجاوز 19%، ومعدل بطالتهن ارتفع إلى 20,5%، في وقت يستفيد فيه الرجال من معظم التحسن المسجل في مؤشرات الشغل. هذا الوضع لا يمكن تفسيره فقط بعوامل ثقافية، بل يعكس محدودية السياسات العمومية الموجهة لإدماج النساء، خصوصًا في القطاعات ذات القيمة المضافة والاستقرار المهني.
الشغل الناقص… الوجه الآخر للتحسن
إذا كان انخفاض البطالة يُقدَّم غالبًا كمؤشر إيجابي، فإن الارتفاع المتواصل في الشغل الناقص يطرح تساؤلات جوهرية حول جودة مناصب الشغل المحدثة. فقد بلغ عدد المشتغلين في وضعية شغل ناقص 1,19 مليون شخص، أي 10,9% من مجموع المشتغلين، مع ارتفاع ملحوظ في الشغل الناقص المرتبط بالدخل غير الكافي أو بعدم ملاءمة الشغل مع المؤهلات.
هذا المعطى يعني عمليًا أن جزءًا مهمًا من المشتغلين لا يعيش البطالة الرسمية، لكنه يعيش بطالة مقنّعة، سواء عبر ساعات عمل غير كافية، أو أجور لا تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
اختلالات جهوية راسخة
على المستوى الجهوي، تتكرر الصورة نفسها: تمركز الشغل والبطالة في عدد محدود من الجهات، مقابل استمرار تهميش مجالات ترابية واسعة. جهات الجنوب والشرق تسجل أعلى معدلات البطالة، في حين تستحوذ الدار البيضاء-سطات على ربع العاطلين تقريبًا، ما يعكس اختلالًا بنيويًا في التوزيع المجالي للاستثمار وفرص الشغل.
تكشف معطيات سوق الشغل لسنة 2025 أن المغرب لا يواجه فقط تحدي خلق مناصب الشغل، بل تحدي جودة الشغل، واستدامته، وعدالته المجالية والاجتماعية. فالأرقام الإيجابية المحدودة لا تخفي واقعًا بنيويًا عنوانه هشاشة التشغيل، ضعف الإدماج المهني للشباب والنساء، واتساع رقعة الشغل الناقص.
وإذا استمرت السياسات العمومية في التركيز على المعالجة الكمية دون إصلاح عميق لمنظومة التكوين، وتحفيز الاستثمار المنتج، وربط النمو الاقتصادي بخلق فرص شغل لائقة، فإن سوق الشغل سيظل يدور في الحلقة نفسها: أرقام تتحسن على الورق، وواقع اجتماعي يزداد تعقيدًا على الأرض.








تعليقات
0