حين يصبح العلاج سلعة، والمريض زبونًا …

Media الخميس 21 مايو 2026 - 05:26 l عدد الزيارات : 235405

لا أكتب هذا الكلام من موقع العداء للأطباء والمصحات الخاصة، ولا بدافع الشعبوية الرخيصة، بل من موقع القلق الصريح على مهنة يفترض أن تكون آخر ما يفسده منطق السوق. حين يصبح العلاج سلعة، والمريض زبونًا، فنحن لا نعيش أزمة أخلاق أفراد فقط، بل أزمة منظومة بكاملها.

أكتب انطلاقا من حكايات لا تنتهي لمرضى وجدوا أنفسهم عبارة عن رقم مالي في منظومة بفترض أنها صحية بالدرجة الأولى، منظومة تفتقر للإنسانية وتتحجج بمبررات واهية وغير مقنعة.

في جزء من الممارسة الصحية اليوم، لم يعد السؤال المركزي: ما الذي يحتاجه المريض؟ بل: ما الذي يمكن فوترته؟ فحوصات تُطلب بلا ضرورة واضحة، وصفات مثقلة بالأدوية، تدخلات طبية يمكن تأجيلها أو تجنبها،ولادات غير طبيعية وتبرير جاهز باسمالاحتياط”.

 في الواقع، وأقولها صراحةالاحتياط هنا غالبًا مالي، لا علاجي.

 مصحات الخاصة، في كثير من الحالات، لم تعد فضاءات علاج بقدر ما صارت وحدات إنتاج.

 منطق الأرقام حاضر، والضغط غير المعلن على رفع المداخيل موجود، وبعض الأطباء   يجدون أنفسهم أحيانًا داخل معادلة لا تترك له هامش القرار الأخلاقي الذي يفترض أن يحكم المهنة. حينها، لا يُخرق قسم أبقراط* علنًا، بل يُفرغ من مضمونه بهدوء.

ثم هناك لوبي الأدوية، حيث تختلط المصالح بالوصفات، وتُوجَّه الاختيارات نحو علامات بعينها، لا لأنّها الأفضل للمريض، بل لأنها الأكثر ربحًا في سلسلة غير مرئية. المريض يدفع، ولا يعرف لماذا يدفع أكثر، ولا من يستفيد فعلًا من ذلك.

الأخطر من كل هذا هو ضعف الرقابة. الأخلاقيات لا تعيش بالشعارات ولا تُحمى بالنوايا الحسنة. حين تغيب المحاسبة، يتحول الانحراف إلى ممارسة عادية، وتُصبح النزاهة استثناءً يُشاد به بدل أن تكون قاعدة يُبنى عليها النظام الصحي.

ومع ذلك، سيكون ظلمًا فادحًا تعميم الاتهام. 

هناك أطباء كثر ما زالوا يمارسون مهنتهم بضمير حي، يرفضون الاستغلال، ويتألمون لهذا الانزلاق أكثر من المرضى أنفسهم. لكنهم يعملون داخل بيئة لا تحميهم، ولا تكافئ التزامهم، ولا تميّز بينهم وبين من حوّل الطب إلى تجارة.

المسألة إذن ليست أخلاقية فقط، بل بنيوية. لا يمكن إصلاح الوضع بخطاب وعظي، بل بقواعد واضحة: تشريع صارم، شفافية حقيقية، فصل بين العلاج ومنطق الربح، وتمكين المريض من المعرفة والاختيار.

 بدون كل هذا، سيظل الحديث عن القيم مجرد ديكور جميل في كليات الطب.

أكتب هذا على مسؤوليتي:
حين يُختزل المريض في رقم، ويتحوّل الطبيب إلى وسيط فوترة، نكون قد خسرنا جوهر الطب، حتى لو بقيت اللافتات براقة والأجهزة حديثة. لأن العلاج، قبل أن يكون خدمة، هو التزام إنساني. وإذا سقط هذا الالتزام، سقط كل شيء معه.

  • قسم أبقراط هو ميثاق أخلاقي تاريخي يلتزم به الأطباء عند مزاولة مهنة الطب، ويُنسب إلى أبقراط، الذي يُعد مؤسس الطب العلمي في الحضارة اليونانية القديمة.

    جوهر القسم يقوم على مبادئ بسيطة لكنها صارمة:
    العمل لمصلحة المريض، تجنب إلحاق الضرر، احترام الحياة الإنسانية، الحفاظ على سرية المعلومات الطبية، وعدم استغلال المهنة لتحقيق منافع غير مشروعة. الفكرة المحورية يمكن تلخيصها في العبارة الشهيرة: «أولًا، لا تَضُرّ».

    تاريخيًا، كان القسم يُتلى بصيغته التقليدية التي تتضمن إشارات دينية وأخلاقية تعكس زمنه. أما اليوم، فتعتمد كليات الطب حول العالم صيغًا حديثة معدلة تحافظ على الروح الأخلاقية نفسها، مع مواءمتها لواقع الطب المعاصر، وحقوق الإنسان، والتطورات العلمية.

    بهذا المعنى، قسم أبقراط ليس نصًا مقدسًا بقدر ما هو بوصلة أخلاقية تذكّر الطبيب بأن المعرفة الطبية قوة، وأي قوة بلا أخلاق تتحول إلى خطر.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image