لماذا تهمّنا المقاعد اليوم

ittihadpress الأحد 8 فبراير 2026 - 16:05 l عدد الزيارات : 82794

بديعة الراضي

لم يكن خروج إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في كلمته اليوم «أمام المجلس الجهوي بالدار البيضاء، الذي أكد فيه بأن” المقاعد تهمّنا اليوم» ، خروجا فيما يظنه البعض أنه يخرق إرث عبد الرحيم بوعبيد الشهير: «المقاعد لا تهمنا». لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن التناقض أو الانقلاب على التاريخ السياسي للحزب. فخروج لشكر ليس رغبة في مضاعفة الأرقام أو الصعود إلى الكراسي، بل هو فهم عميق للسياسة كفعل مؤسساتي قادر على الإصلاح والتغيير.
. فعندما تحدث عبد الرحيم بوعبيد عن عدم أهمية المقاعد فإن حديثه جاء في سياق سياسي محدد، حيث كانت المؤسسات محدودة الفاعلية، وكانت الأولوية للتحرر الأخلاقي والسياسي، في الوقت الذي أصبحت فيه المعركة اليوم مختلفة، محاطة بدستور ينتصر للعمل المؤسساتي عبر القوانين والمساطر التي تؤسس لتدبير من داخل المؤسسات وليس من خارجها ،وبذلك تصبح المقاعد ليست مجرد أدوات لتأثيت الفضاء ، بل أدوات للتأثير وصنع القرار،وبالتالي فمن لا يمتلك موقعًا داخل هذه المؤسسات، يظل خارج معركة الاصلاح ، و خطابه الإصلاحي مجرد كلمات على الورق، بلا أثر حقيقي.
إن إدراك هذه الحقيقة هو ما يجعل خروج لشكر في زمن حاسم خروجا واقعيا، يقر بأن المقاعد وإن عبرنا في محطاتنا التاريخية أنها ليست غاية، لكنها وسيلة لقيادة عمل مؤسساتي جاد، قادر على الإصلاح، وحسن التدبير، وتحقيق التنمية، ودفع مسار التطور إلى الأمام.و المقعد هو فرصة لتحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج ملموسة، والوعود إلى واقع ينعكس ايجابا على حياة المواطنين في مجتمع منظم ومنتج وعادل وكريم.
وخروج لشكر هو خروج لا يستبعد توجيه النقد الى خطاب يرفع شعارات المبدئية والتخليق في ربط مع رفض المقاعد، بينما في الحقيقة يهرب حاملو هذا التوجه من مسؤولية الفعل، وهم يزدادون صخبًا بركوب جواد بدون قضية ولا التزام خارج المؤسسات، في الوقت الذي يشكون فيه من سوء التدبير، دون تقديم بدائل علمية ، أو قدرة على التأثير في القرار.
هنا يصبح المقعد، الذي يراه البعض مجرد كرسي، هو جوهر الفعل السياسي وشرطًا لإحداث تغيير حقيقي.
وعودة الى خروج لشكر الذي بدا أكثر قناعة بالتحولات التي يعرفها المغرب سواء في قضاياه المصيرية أو المجتمعية ، فإن المقعد بلا برنامج إصلاحي ليس سوى هدر للزمن التدبيري ، أو أداة فساد أو مركز قوة يستعمل لبناء الذات عو ض بناء مجتمع ، أو غنيمة سياسية أدت إلى تكليفً بمسؤولية بالشخص غير المناسب للمقعد الذي كان ينتظر منه صناعة الارادة السياسية في التدبير المنتج، بالرؤية، والقدرة على الفعل المؤثر.
ولهذا فحزب الاتحاد الاشتراكي، كحزب تاريخي، لا يمكن أن يظل شاهدًا على الأحداث فقط، ولا يمكنه الاكتفاء بالخطابات الأخلاقية وحدها.و الوفاء لتجربة بوعبيد اليوم لا يكون بتكرار عباراته خارج سياقها، بل بإكمال مشروعه داخل الواقع السياسي الحالي في بناء ديمقراطية حقيقية، ومؤسسات منتخبة قوية، وفاعلة في اتخاذ القرار.
ولهذا فإن خطابنا الذي أخرجه لشكر ككاتب الأول للحزب في أول مجلس جهوي بعد المؤتمر الثاني عشر وهو يقر بأن المقاعد تهمنا نعتبر فيه المقعد الانتخابي هو شرط أساسي لممارسة السياسة بالمعنى الحقيقي للكلمة، فلا تنمية بلا سياسات عمومية، ولا سياسات عمومية بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا تمثيلية قوية. و من يرفض المقاعد يرفض ضمنيًا التأثير في التشريع، وفي الميزانية، وفي التخطيط، وفي المراقبة، وفي كل مكان يُصنع فيه القرار. ومن يرفض التأثير في القرار، يترك الساحة مفتوحة لمن يريد أن يستغل الفراغ لصالح الشعبوية أو لمصالح ضيقة.
المقاعد إذن ليست ترفًا أو هدفًا في حد ذاته، بل مسؤولية كبرى. هي طريق للإصلاح، وفرصة لتقديم نموذج يحتذى به في التدبير العام، ومجال لتطبيق المبادئ التي نؤمن بها. من خلالها يمكن للحزب أن يثبت أن السياسة ليست مجرد كلام، بل أفعال ملموسة تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة المواطنين.
وبهذا نعتبر خطاب لشكر امام المجلس الجهوي بالدار البيضاء والذي تحلى بالمسؤولية والجرأة في التعبير، لا يغيّر جوهر الاتحاد الاشتراكي، بل يعيد تأكيده، بأن السياسة تتطلب توازنًا بين الدفاع عن المبدأ والفعل الواقعي، بين الرؤية الأخلاقية والقدرة على التأثير، بين الشعار والعمل.
المقعد ليس غاية، لكنه اليوم أكثر من أي وقت مضى أداة لإحداث الفرق، ولترجمة القيم إلى واقع ملموس، وللتأكيد على أن الإصلاح لا يُنجز من خارج المؤسسات، بل من داخلها.
إنها دعوة صريحة، أنه إذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا، وقرارات تخدم التنمية، وقيادة سياسية مسؤولة، فلا مفرّ من المقاعد. اليوم، أكثر من أي وقت مضى.
المقاعد تهمّنا لأنها الطريق الوحيد بين الخطاب والفعل، بين الحلم والواقع، بين الشعار والتغيير.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image