حول تدخل الجماعات الترابية في معالجة البنايات الآيلة للسقوط بين واجب الحماية واعتبارات العدالة الاجتماعية

ittihadpress الإثنين 9 فبراير 2026 - 21:37 l عدد الزيارات : 77039

يوسف وزدويت

تشكل البنايات الآيلة للسقوط تهديدا مباشرا للسلامة العامة، الأمر الذي يفرض تدخلا فوريا من الجماعات الترابية بصفتها سلطة للشرطة الإدارية غير أن هذا التدخل لا يجب أن يقتصر على إصدار قرارا الهدم ولا حتى على الهدم نفسه أو التدعيم فقط، ولكن ينبغي أن يمتد إلى معالجة الآثار الاجتماعية المترتبة عنه خاصة بالنسبة للحالات الاجتماعية الضعيفة والمعوزين مع ضمان تحصيل التكاليف من المالكين الميسورين في إطار قانوني منظم
يخول القانون رقم 12.94 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط لرئيس المجلس الجماعي اتخاذ قرارات الهدم أو التدعيم متى ثبت وجود خطر داهم، وذلك حفاظا على النظام العام وحماية الأرواح و الممتلكات
ويعد تدخل الجماعة في هذه الحالة تدخلا مشروعا و استعجاليا ومرتبط بالمسؤولية الوقائية لا تقبل التأخير وبالتالي، فإن تحمل الجماعة لتكاليف الهدم في المرحلة الأولى يعد أمر اضطراري لا اختيار إداري خصوصا في حالة رفض الملاك تنفيذ قرارات الهدم أو التدعيم
إن هدم المساكن دون توفير بديل سكني للحالات الهشة يفرغ التدخل الإداري من بعده الإنساني، ويتعارض مع الفصل 31 من الدستور المغربي ” الحق في السكن اللائق” و يتعارض ايضا مع مبدأ الدولة الاجتماعية و الالتزامات الدولية للمغرب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعليه فإن تمكين الحالات الاجتماعية والمعوزين من إعادة بناء منازلهم بعد الهدم أو إعادة الإيواء المؤقت ثم الدائم يجب أن يتم بتدخل مباشر من الجماعات الترابية، بتنسيق مع وزارة المعنية كوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير و الإسكان و سياسة المدينة وزارة الداخلية و الوكالات الحضرية و كل المؤسسات العمومية المختصة وذلك في إطار برامج التجديد الحضري أو شراكات متعددة القطاعات أو دعم مالي وتقني مباشر.
رغم البعد الاجتماعي للتدخل، فإن العدالة الجبائية تقتضي التمييز بين الميسور والمعوز وبناء عليه، فإن استرجاع مصاريف الهدم من المالكين الميسورين و الشركات العقارية و الورثة القادرين ماليا يجب أن يتم وفق مدونة تحصيل الديون العمومية باعتبار أن المبالغ المؤداة من طرف الجماعة تعد ديونا عمومية ويمكن تحصيلها عبر أوامر بالاستخلاص أو الإنذار أو الحجز أو التنفيذ الجبري عند الاقتضاء ويستند هذا التوجه إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم تحميل المال العام أعباء كان بالإمكان تحصيلها قانونا.
لتحقيق التوازن بين الحماية والإنصاف، يجب إحداث لجان محلية تضم المصالح الاجتماعية و السلطة المحلية وممثلي الجماعة الترابية من أجل اعداد دراسات اجتماعية دقيقة و قرارات إدارية معللة تراعي مبدأ التناسب و الوضعية المالية للمالكين و طبيعة الملك (سكن رئيسي/استثماري).
من غير الممكن تجاهل أن المدن التي تحتوي على العديد من البنايات الآيلة للسقوط تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على جاذبيتها الاقتصادية والسياحية فالبنايات المهجورة أو المهددة بالانهيار تؤثر بشكل مباشر على الصورة العامة للمدينة، مما يجعلها غير جذابة للمستثمرين والسياح على حد سواء في العديد من الحالات، يعتبر السياح والزوار هذه البنايات مظهرا من مظاهر الإهمال وهو ما يقلل من الرغبة في زيارة المدينة أو إقامة مشاريع استثمارية فيها لذا فإن تصحيح هذه الظاهرة ليس فقط واجبا قانونيا وأخلاقيا لكنه أيضا ضرورة استراتيجية لتطوير المدينة وتعزيز استقرارها الاقتصادي.
فمدينة تيزنيت مثلا التي تتمتع بتاريخ طويل وتراث ثقافي وسياحي مميز فإن تجاهل مشاكل البنايات الآيلة للسقوط يمكن أن يكون له تأثير كبير على صورتها إذا لم يتم التعامل مع هذا الوضع بجدية، فإن المدينة قد تواجه مشاكل في الحفاظ على مكانتها كوجهة سياحية، خاصة وأن كثيرا من السياح يفضلون المدن التي تتمتع بجو من الأمان والنظافة والتنظيم
من المهم السؤال عن مدى جدية المنتخبين و السلطات المحلية في معالجة هذه القضية هل قامت الجماعة الترابية أو السلطات المعنية باتخاذ خطوات ملموسة لتحسين الوضع؟ هل هناك آليات حقيقية وفعالة لمعالجة المباني الآيلة للسقوط وإعادة تأهيل المناطق المتضررة؟
من خلال الرصد والتقييم، يبدو أن هناك قصورا في الإجراءات المتخذة، حيث لم نرَ تطبيقا فعليا للقوانين والآليات التي تلزم الجماعات الترابية بتحمل مسؤوليتها في هذا الشأن بل يمكن القول إن المسؤولين في تيزنيت مثل كثير من المدن المغربية الأخرى قد لا يقومون بما يلزم لضمان تنفيذ القرارات المتعلقة بالبنايات الآيلة للسقوط مما يساهم في استمرار تفشي هذه الظاهرة.
لا شك أن المسؤولية تقع على عاتق الجماعة و السلطات المحلية التي يجب عليها أن تضع في أولوياتها تنفيذ قرارات الهدم والتدعيم، إلى جانب توفير البدائل السكنية للفئات الضعيفة، والعمل على تحصيل التكاليف من الملاك الميسورين بما يتماشى مع مبدأ العدالة الجبائية.
إذن، وإن كان السؤال عن دور الجماعات الترابية في هذه القضايا يبدو سؤالًا شكليا في بعض الأحيان، فإن الإجابة الحقيقية هي أن هناك تقاعسا واضحا من بعض المسؤولين المحليين في التعامل مع هذا الملف بالشكل الذي يتناسب مع حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تترتب عليه.
إن البنايات الآيلة للسقوط تمثل خطرا حقيقيا على سلامة الأفراد، ولكنها في الوقت نفسه تشكل تحديا كبيرا على مستوى التنمية الاقتصادية والسياحية للمدينة ولضمان تحقيق العدالة الاجتماعية والحماية الفعالة، يجب أن تتدخل الجماعات الترابية بشكل جاد وفعال في معالجة هذه الإشكالية من خلال سياسات شمولية تضمن حماية الأرواح والممتلكات وتطوير الوضع السكني للفئات المعوزة مع ضمان تحصيل التكاليف من المالكين الميسورين بما يتماشى مع مبدأ العدالة.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image