حوار مع الباحث حسين البعطاوي في موضوع أطروحته الموسومة ب “بلاغة خطاب حركة الألتراس بالمغرب”

ittihadpress الخميس 17 يوليو 2025 - 00:40 l عدد الزيارات : 67904

أجرى الحوار: إلياس الخطابي

في حدث علمي احتضنته كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ناقش الطالب الباحث حسين البعطاوي أطروحة دكتوراه متميزة في تخصص “البلاغة وتحليل الخطاب”، تحت إشراف مختبر “الدراسات الأدبية واللسانية وعلوم الإعلام والتواصل”. وقد اختار الباحث مقاربة جديدة لظاهرة حاضرة بقوة في المشهدين الرياضي والثقافي، من خلال أطروحة بعنوان: “بلاغة خطاب حركة الإلتراس بالمغرب بين الإمتاع والإقناع: الأشكال الخطابية ووسائل التأثير ودرجاته”، وهي دراسة تجمع بين التحليل البلاغي والقراءة النقدية لخطاب جماهيري معاصر يتجاوز أسوار الملاعب نحو تعبير اجتماعي وثقافي متعدد الأبعاد.

جرت مناقشة الأطروحة يوم 27 ماي 2025 أمام لجنة علمية مكوّنة من نخبة من الأساتذة الجامعيين، ترأسها الدكتور محمد شكري عراقي حسيني، وشارك فيها كل من الدكتور عبد الرحيم وهابي، والدكتور عبد المنعم العزوزي، تحت إشراف الدكتور محمد الشرقاني الحسني. وقد تميز اللقاء بمداخلات علمية أغنت النقاش وأبرزت أهمية الموضوع وراهنيته، لاسيما في ظل التنامي المتزايد لدور خطاب الإلتراس في التعبئة والتأثير المجتمعي، وكان مع صاحب الأطروحة الحوار التالي:

  • ناقشت مؤخرا أطروحة الدكتوراه في موضوع بـ: “بلاغة خطاب حركة الألتراس بالمغرب بين الإمتاع والإقناع الأشكال الخطابية ووسائل التأثير ودرجاته” ما الذي دفعك لاختيار هذا الموضوع؟

لماذا البحث في بلاغة خطاب حركة الإلتراس، سؤال مهم جدا بالنظر لما يشمل عليه هذا الموضوع من أهمية كبيرة في ظل تنامي خطابات جماهير كرة القدم ليس في المغرب فحسب، ولكن في جميع أقطار العالم. وقبل الإجابة عن هذا السؤال، أشير إلى أنّ الاشتغال على خطابات الحركة دام ست سنوات، بعد جمع المادة البحثية، وتصنيفها، وحصر مجال الاشتغال، خاصة في ظل وفرة المادة التطبيقية المشتغل عليها وتعددها. ويأتي الاشتغال على الموضوع بعدما خصصنا لرسالة الماستر موضوعا قريبا منه، وهو ”بلاغة الخطاب السياسي بين حركة 20 فبراير وحراك الحسيمة الأشكال الخطابية ووسائل التأثير والإقناع”. ولذلك فاشتغالنا على هذا الموضوع أتى من منطلق التخصص وتوسيع البحث في خطابات الجماهير.

وبالعودة إلى السؤال المطروح، يمكن الإشارة إلى أن البحوث الأكاديمية خاصة في المجال المعرفي المرتبط بالعلوم الإنسانية ينبغي أن ترتبط بحياة الإنسان الراهنة، وبمستجداتها المتسارعة، وبناء على هذا العنصر تأتي هذه الأطروحة لتبحث في موضوع جديد وبمنهج بلاغي، توخينا بواسطته الكشف عن الأبعاد الإمتاعية والإقناعية، منطلقين من أن خطابات حركة الإلتراس باتت تحدث أَثَرًا سُلْطَوِيًّا وَإِقْنَاعِيًّا فِي الجماهير الَّتِي تَتَلَقَّاهُ سَوَاءٌ فِي الْفَضَاءَاتِ العَامَّةِ (اَلْمَلاَعِبُ) أَوْ عَبْرَ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ، إِذْ تَجَاوَزَتْ حُدُودُ تَأْثِيرِهِ أَمْكِنَةَ إِنْشَائِهِ بِفِعْلِ اعْتِمَادِهِا عَلَى مُمَارَسَاتٍ خِطَابِيَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ اسْتْرَاتِيجِيَّةَ الإِقْنَاعِ وَالتَّهْييِجِ النَّفْسِيِّ، وَالتَّلاَعُب الْخِطَابِيِّ، عِمَادُهَا فِي ذَلِكَ اَلْعَلاَمَاتُ اللُّغَوِيَّةُ، وَغَيْرُ اللُّغَوِيَّةِ، مِثْلَ: اَلتَّصْفِيقُ وَالأَغَانِي وَالشِّعَارَاتُ، وَالْهُتَافَاتُ، وَاللاَّفِتَاتُ، وَالْجِدَارِيَاتُ، وَعَسْكَرَةُ الأَجْسَامِ دَاخِلَ الْمَلْعَبِ مِنْ أَجْلِ إِنْشَاءِ التِّيفُوهَاتِ، حَتَّى أَضْحَى لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْخِطَابَاتِ قَوَانِين وَأَعْرَافَ (شِبْهَ مَؤَسَّسِيَّةٍ) تَجَاوَزَتْ بِوَاسِطَتِهَا الْحَرَكَةُ حَدَّ الْهَزَلِ وَالتَّرْفِيهِ وَالاِحْتِفَالِ، وَالاِرْتِبَاط بِالْعَقِيدَةِ الرِّيَاضِيَةِ، إِلَى الْجِدِّ عَبْرَ إِنْشَاءِ مَوَاثِيقَ صَرِيحَةٍ تَتَبَنَّي اَلْقَضَايَا الاِجْتِمَاعِيَة، وَالسِّيَاسِيَّة، وَالثَّقَافِيَة.

بالإضافة إلى ذلك اتِّخَاذنا الأَشْكَال الْخَطَابِيّة لِلإِلْتْرَاسِ مَادَّةً لِلْبَحْثِ، يَنْطَلِقُ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْخِطَابَاتِ تُشَكِّلُ مُنْطَلَقًا بَلاَغِيًّا لِتَجْدِيدِ مَبَاحِثِ الْبَلاَغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَتَوْسِيعِهَا، بِفَضْلِ ثَرَاءِ الْمَادَّةِ الْبَحْثِيَةِ الَّتِي تُنْشِئُهَا سَوَاءٌ فِي الْمَلاَعِبِ وَالسَّاحَاتِ الْعَامَّةِ، أَوْ عَبْرَ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ (فَايْسْبُوكْ، وَتْوِيتَرْ، وَيُوتْيُوبْ…إلخ)، ثُمَّ لأَنَّهَا تَسْتَهْدِفُ اسْتْرَاتِيجِيَاتٍ عَدِيدَة مِنْهَا: الإِمْتَاعُ وَالتَّأْثِيرُ، وَالإِقْنَاعُ، وَالتَّلاَعُبُ. فالبلاغة اليوم لم تعد حبيسة المقررات الدراسية بفعل اعتمادها على أمثلة مسكوكة، ولكنها باتت مرتبطة بمختلف الخطابات الإنسانية (دُونَ إِقْصَاءٍ)، خاصة بِمَا فِيهَا خِطَابَاتُ الْجَمَاهِير.

تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ اخْتِيَارَنَا لِحَرَكَةِ الإِلْتْرَاسِ بِالْمَغْرِبِ وَأَشْكَالِهَا الْخَطَابِيَةِ مَادَّةً للِتَّحْلِيلِ الْبَلاَغِيِّ، قَدْ اقْتَصَرْنَا فِيهَا عَلَى نَمَاذِجَ بِعَيْنِهَا هِيَ: إِلْتْرَاسْ فَتَالْ تِيغَرْزْ (ultras Fatal Tigers)، وَإِلْتْرَاسْ وِينَرَزْ (winners)، وَإِلْتْرَاسْ الْغْرِينْ بُويْزْ (Green boys) وَإِلْتْرَاسْ إِيجَلَزْ (Ultras Eagles)، وَإِلْتْرَاسْ حَلاَّلَة بُويْزْ (Ultra’ Helala Boys). وَيَعُودُ سَبَبُ اخْتِيَارُ هَذِهِ النَّمَاذِجَ دُونَ غَيْرِهَا لأَسْبْابَ وَجَدْنَاهَا تَرْتَبِطُ أَسَاسًا بِـ: ثَرَاءِ الْمَادَّةِ الْخِطَابِيَةِ لِهَذِهِ الْفِئَةِ، فَخِلاَفًا لِلْحَرَكَاتِ الأُخْرَى يُمْكِنُ أَنْ نَعُدَّ هَذِهِ الْفِئَة اَلأَكْثَرَ نَشَاطًا، وَإِبْدَاعًا، فَضْلاً عَنْ تَرْكِيزِهَا عَلَى الأَبْعَادِ الْجَمَالِيَةِ (الإمْتَاعِيَةِ) وَالإِقْنَاعِيَةِ، عِمَادُهَا فِي ذَلِكَ التَّنْوِيعُ فِي الأَشْكَالِ، وَاللُّغَاتِ، وَاسْتِلْهَامُ الْمَوْضُوعَاتِ الْفَلْسَفِيَةِ وَالأَدَبِيَةِ وَإِعَادَةُ مُحَاوَرتهَا بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ الْمَقَامِ الْخِطَابِيِّ، اَلأَمْرُ الّذِي يُمَكِّن لإِنْتَاجَاتِهَا مِنْ أَنْ تُتَدَاوَلَ فِي أَمَاكِنَ جُغْرَافِيَةٍ أُخْرَى خَارِجَ الْمَغْرِبِ، وَبِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ شُرُوطُ الإِمْتَاعِ، وَالتّأْثِيرِ.

  • من خلال اطلاعك على الدراسات السابقة، كيف تقيم المنجز العلمي حول خطاب حركة الإلتراس؟

الدراسات السابقة في الأبحاث الأكاديمية الرصينة أمر هام جدا، لأنها تفتح فجوات معرفية وبحثية، وتعيد طرح إشكالات جديدة، وبالنظر إلى موضوع خطاب حركات الإلتراس بالمغرب، فإنه أقام مَعَارِفَهُ عَلَى مَا أَتَاحَتْهُ أَعْمَالٌ َعَرَبِيَة وَأَجْنَبِيَة، حَاوَلَتْ مُقَارَبَةَ خِطَابَاتِ الْحَرَكَاتِ الاِجْتِمَاعِيَةِ السِّيَاسِيَةِ وَالثَّقَافِيَةِ، وَالاِحْتِفَالِيَةِ، مِنْ زَوَايَا نَقْدِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَغْلُبُ عَلَى مُعْظَمِهَا الْمُقَارَبَاتُ الاِجْتْمَاعِيَةُ أَوِ النَّفْسِيَةُ شَأْنَ عَمَل سَعِيد بَنّيس “تَمَثُّلاَتُ الْخِطَابِ الاِحْتِجَاجِيِّ لِلألْتْرَاسِ فِي الْمَغْرِبِ وَتَأْثِيرَاتُهُ السِّيَاسِيَةُ

ومن خلال البحث وجدت أن أَغْلَب الدِّرَاسَاتِ المُهْتَمَّةِ بِخِطَابَاتِ حَرَكَةِ الإِلْتْرَاسِ فِي الثَّقَافَتَيْنِ الْعَرَبِيَةِ وَالْغَرْبِيَةِ ركزت عَلَى الأَبْعَادِ الاِجْتِمَاعِيَةِ، أَمَّا الاِهْتِمَامُ الْبَلاَغِيُّ فَيمكن القول إن الأبحاث في هذا الميدان لا زالت نادرة. بِاسْتِثْنَاءِ مَقَال الدكتور عِمَاد عَبْد اللَّطِيف: ”بَلاَغَةُ جُمْهُورُ كُرَةُ الْقَدَمِ، تَأْسِيسٌ نَظَرِيٌّ وَمِثَالٌ تَطْبِيقِيّ. حيث حلل فيه أغنية ”فبلادي ظلموني”.

أَمَّا عَنِ الدِّرَاسَاتِ الأَجْنَبِيَةِ، التي تهتم بخطابات جماهير كرة القدم، فَالْمُلاَحَظُ عَنْ هَذِهِ الدِّرَاسَات أَنَّهَا خِطَابَاتٌ تَسْتَأْثِرُ بِاهْتِمَامِ عَدَدٍ مِنَ الْبَاحِثِينَ سَوَاءٌ عَبْرَ التَّأْلِيفِ الْمُشْتَرَكِ أَم الْفَرْدِيِّ، خلافا للدراسات العربية، وَمِنْ الأَعْمَالِ التي شكلت العمود الأساس في أطروحتنا، نجد مقال: جَانْ فْرَنْسْوَا بُولُو (Jean-François Polo):”تَسْيِيسُ مُشَجِّعِي كُرَةُ الْقَدَمِ وَمُشَارَكَتُهُمْ فِي الْفَضَاءِ الْعَامِّ”، ومقال الباحث أرنود ريتشارد (Arnaud Richard) ”اَلْخِطَابَاتُ الرِّيَاضِيَةُ فَرِيسَة لِلْقَوْمِيَّةِ وَالإِثْنِيَةِفضلا عن كتاب هَانْزْ أُولْرِيشْ (Hans Ulrich)، اَلْحُشُودُ: اَلْمَلْعَبُ كَطَقْسٍ مُوَحَّدٍ.

  • كل من يشاهد مباريات كرة القدم في المغرب يقر بأن الإلتراس ظاهرة عنيفة يتحكم فيها اللاوعي الجمعي في الغالب ما تعليقك؟

اتِّخَاذُ جماهيرُ حَرَكَاتِ الإِلْتْرَاسِ لِنَفْسِهَا أَشْكَالاً خَطَابِيَةً؛ سَوَاءٌ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ وَلاَئِهَا لِلْعَقِيدَةِ الرِّيَاضِيَةِ، أَوْ لِلاِحْتِجَاجِ وَالدَّفَاعِ عَنْ قَضَايَا اجْتِمَاعِيَةٍ وَسِيَاسِيَةٍ، تَوَاصُلٌ إِنْسَانِيٌّ قَدْ يَعْتَرِيهِ التَّأْثِيرُ بِدَرَجَاتِهِ، كَمَا يَعْتَرِيهِ التَّلاَعُبُ الْخِطَابِيُّ وَتَوْظِيفُ الْفُحْشِ وَالْبَذَاءَةِ. ولذلك نجد أن هذه الأَشْكَال تقوم عَلَى بِنْيَاتٍ مُزْدَوَجَةٍ، تَتَدَاخَلُ فِيهَا أَبْعَادٌ جَمَالِيَةٌ وَتَأْثِيرِيَةٌ إِقْنَاعِيَةٌ (حِجَاجِيَةٌ) فَقَدْ تَرْتَبِطُ بِالْهُوِّيَةِ الرِّيَاضِيَةِ لِنَوَادِيهَا، كَمَا قَدْ تَرْتَبِطُ بِالْهُوِّيَاتِ الاِجْتِمَاعِيَةِ وَالسِّيَاسِيَةِ، وَهِيَ تَأْخُذُ بِالْبُعْدِ الْجَمَالِيِّ (الإِمْتَاعِيِّ) لِتَمْرِيرِ خِطَابَاتٍ نَاقِدَةٍ، تَبْتَغِي مِنْ وَرَائِهَا كَشْفَ عُيُوب السُّلْطَة السِّيَاسِيَةِ، وَالرِّيَاضِيَةِ الَّتِي تَسْهَرُ عَلَى تَدْبِيرِ شُؤِونِهَا. فبِمُمُارَسَةِ الشَّكْلِ الْخِطَابِيِّ تَتَمَكَّنُ حَرَكَةُ الإِلْتْرَاسِ مِنَ الْعَمَلِ عَلَى تَطْوِيرِ مَجْمُوعَة مِنَ الْقِيَمِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمْ، وَيُحَاوِلُونَ إِنْشَاءَ أُفُقَ لِلتَّوَقُّعِ، وَالآمَالِ الَّتِي يَشْتَرِكُونَ فِيهَا مَعَ بَاقِي أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ. وَمِنْ هَذِهِ الْقِيَمِ بَثُّ رُوح التَّعَاوُنِ، وَالْحَثّ عَلَى الْقِيَمِ النَّبِيلَةِ كَالتَّضَامُنِ وَالتَّآزُرِ بشتى الطرق الممكنة عبر الهتافات، والشعارات، والتنديد، والبيانات، والتقارير التي تصدرها عقب كل مباراة أو وقع مستجد إنساني، مثل: الزلازل أو الغلاء في الأسعار، أو الدفاع عن الوحدة الترابية للوطن، أو الدعوة للتبرع بالدم…

لكن بالمقابل، نجد أن خطابات حركة الإلتراس تتضمن فُحْشًا وَعُنْفًا خِطَابِيًّا، بين جماهير الحركات المختلفة، وبين أعضاء الحركات نفسها. وهي قيم فاسدة تفضي إلى تأجيج الصراع والعنف.

  • يلاحظ أن خطابات حركة الإلتراس تتقاطع مع السياسة والهم الشعبي كيف تفسر ذلك؟

يُشَكِّلُ خِطَابُ حَرَكَات الإِلْتْرَاسِ أَثَرًا سُلْطَوِيًّا وَإِقْنَاعِيًّا فِي الْجماهير الَّتِي تَتَلَقَّاهُ سَوَاءٌ فِي الْفَضَاءَاتِ العَامَّةِ (اَلْمَلاَعِبُ) أَوْ عَبْرَ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ، إِذْ تَجَاوَزَتْ حُدُودُ تَأْثِيرِهِ أَمْكِنَةَ إِنْشَائِهِ بِفِعْلِ اعْتِمَادِهِ عَلَى مُمَارَسَاتٍ خِطَابِيَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ اسْتْرَاتِيجِيَّةَ الإِقْنَاعِ وَالتَّهْييِجِ النَّفْسِيِّ، وَالتَّلاَعُب الْخِطَابِيِّ، عِمَادُهَا فِي ذَلِكَ اَلْعَلاَمَاتُ اللُّغَوِيَّةُ، وَغَيْرُ اللُّغَوِيَّةِ، مِثْلَ: اَلتَّصْفِيقُ وَالأَغَانِي وَالشِّعَارَاتُ، وَالْهُتَافَاتُ، وَاللاَّفِتَاتُ، وَالْجِدَارِيَاتُ، وَعَسْكَرَةُ الأَجْسَامِ دَاخِلَ الْمَلْعَبِ مِنْ أَجْلِ إِنْشَاءِ التِّيفُوهَاتِ، حَتَّى أَضْحَى لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْخِطَابَاتِ قَوَانِين وَأَعْرَافَ (شِبْهَ مَؤَسَّسِيَّةٍ) تَجَاوَزَتْ بِوَاسِطَتِهَا الْحَرَكَةُ حَدَّ الْهَزَلِ وَالتَّرْفِيهِ وَالاِحْتِفَالِ، وَالاِرْتِبَاط بِالْعَقِيدَةِ الرِّيَاضِيَةِ، إِلَى الْجِدِّ عَبْرَ إِنْشَاءِ مَوَاثِيقَ صَرِيحَةٍ تَتَبَنَّي اَلْقَضَايَا الاِجْتِمَاعِيَة، وَالسِّيَاسِيَّة، وَالاِقْتِصَادِيَة، وَالثَّقَافِيَة.

وفي الحقيقة إن الواقع الذي تعبر عنه حركات الإلتراس لا يرتبط بمجال واحد، ولكنه ينطلق من العقيدة الرياضية أولا وينفتح على مجالات أخرى منها ما هو سياسي، وثقافي، وتربوي، وتعليمي…لكنه سرعان من ينزلق إلى العنف، والبذاءة، والفحش، وشيطنة الآخرين واتهامهم، وهو ما يضعف صورة الحركات الإيجابية التي ترسمها على نفسها في الملاعب أو خارجها.

  • بما أن خطاب الإلتراس مليء بالتناقصات هل يمكن القول إنه يتطلب خلفية معرفية لفهمه وتحليله؟

 سؤال جوهري ينبغي أن يأخذ به محلل خطابات حركة الإلتراس إن أراد الكشف عن الاستراتيجيات التأثيرية والإقناعية، بالنظر إلى ما تتضمنه هذه الأشكال من استدعاء لثقافات ونصوص أخرى (عربية وغربية) والملاحظ أن حركة الإلتراس بالمغرب تنْصِرَفُ إِلَى التَّنْوِيعِ مِنَ اللُّغَاتِ فِي التِّيفُوهَاتِ وَالشَّعَارَاتِ، وَالتَّفَنُّنِ فِي الصِّيَاغَةِ وَالتَّصْوِيرِ، وَاسْتِدْعَاءُ المَوْضُوعَاتِ الْفَلْسَفِيَةِ وَالأَدَبِيَّةِ، وَالثَّقَافِيَةِ، مما يمكن اعتباره عَكْسًا لِثَقَافَةٍ، وَتَمْرِيرًا لذاتٍ جماعية. وهي موضوعات تتميز بالتنوع والتعدد بين اللغة الفرنسية، والإيطالية، والإنجليزية، والعربية، والعامية، مما يتطلب من محلل هذه الأشكال المعرفة القبلية بسياق الاستدعاء وكذا التوظيف الجديد لها في سياق مختلف.

وعليه يمكن القول إن هذا الإِبْدَاعُ اللُّغَوِيُّ يكشف عن َإعادة مَحُاوَرَة  اَلنُّصُوصِ الأَدَبِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَةِ، وَالتَّارِيخِيَّةِ عِنْدَ الإِلْتَرَاسِ، ولكي يتم تأويل هذه الأشكال الجديدة لا بد أن يكون محلل الخطاب واَعيا بِمَقَامِ اشْتِغَالِهَا، فَبِالرَّغْمِ مِنْ انْتِقَالِ هذه الموضوعات مِنْ سَنَدٍ تَخْيِيلِيٍّ (رواية؛ قصة؛ فلسفة؛ مسرح…) إِلَى سَنَدٍ تَدَاوُلِيٍّ (الملاعب والساحات العامة)، إِلاَّ أَنَّهَا تُحَافِظُ عَلَى مَضَامِينِهَا، وَتَبْقَى الْغَايَةُ مِنْهَا إِرْسَالُ رَسَائِلَ ضِمْنِيَةٍ إِلَى الْجماهير (اللاعبون، إدارة النادي؛ الخصوم….) سواء أكان الاستدعاء من أجل التحفيز وبعث روح الفريق في اللاعبين، أو بغية نقد الخطابات السلطوية.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image