بقلم: نورالدين زوبدي
نزاهة وشفافية الانتخابات لا تنطلق فقط من الإعداد التشاركي للقوانين الانتخابية، بل تقتضي بالدرجة الأولى وضع حدّ لاستغلال إمكانيات الدولة والجماعات الترابية في استقطاب الناخبين والمنتخبين، والتأثير في ميولاتهم السياسية.
الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، وما تضمّنه من أمر صريح لوزير الداخلية بفتح مشاورات مع الأحزاب السياسية ضمن سقف زمني محدد، يعكس بوضوح الإرادة الملكية في الحرص على شفافية الاستحقاقات المقبلة، في مغرب بات محط أنظار العالم كنموذج للاستقرار السياسي والتحول الديمقراطي.
غير أن الإعداد الجيد للقوانين الانتخابية، مهما بلغت دقته، لن يحقق الغاية المرجوة ما لم تصاحبه قرارات شجاعة بوقف الاستغلال السياسي العلني لمشاريع الدولة العمومية في مختلف المجالات، بغرض استمالة الناخبين وكسب أصواتهم.
إن من غير المقبول أن يُسمح لوزير في الحكومة بأن يلوّح لرؤساء جماعات بمشاريع أو دعم خاص، فقط مقابل مساندة مرشحي حزبه في الانتخابات المقبلة. فذلك يُفرغ مبدأ الحياد من مضمونه، ويُعيد إنتاج الممارسات التي تُقوّض ثقة المواطنين في العملية السياسية.
ومن الممارسات التي تثير القلق وتضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص، ما يقوم به بعض رؤساء الجماعات المحسوبين على أحزاب التحالف الحكومي، حيث يُعمدون إلى تأخير إطلاق أو تنفيذ عدد من المشاريع التنموية المبرمجة، في انتظار تزامنها مع فترة الحملة الانتخابية، بهدف استغلالها كورقة انتخابية لاستمالة الناخبين. هذا السلوك لا يقتصر فقط على التشويش على قواعد التنافس الديمقراطي، بل يُفرغ العمل التنموي من مضمونه، ويحوّله إلى أداة لشراء الولاءات السياسية، بدل أن يكون استجابة حقيقية لانتظارات المواطنين.
كذلك، فإن التنافس بين مرشحي الأحزاب يجب أن ينطلق من مبدأ المساواة في الإمكانيات والوسائل، لا من تفاوتات فاضحة في حجم النفوذ والموارد. وهذه المساواة لا تتحقق إلا بمحاربة استعمال المال الانتخابي، والتصدي لتسخير إمكانيات الدولة، من مشاريع ورخص وامتيازات، كوسيلة لشراء الدعم السياسي. ومن هنا، فإن الدولة مطالبة بضمان تمويل عادل وشفاف للحملات الانتخابية، حتى يتمكن المترشح من خوض المنافسة بوسائل قانونية ومتكافئة، وليس بناءً على ما يملكه من مال خاص أو علاقات نفعية.
الحياد الإداري لن يكون ذا فعالية حقيقية ما لم تُؤخذ مسافة واضحة ومتساوية من جميع الفرقاء السياسيين، وتُفعل آليات الرقابة والمحاسبة ضد كل من يحاول تسخير مقدرات الدولة لأغراض انتخابية.
لذلك، فإن المشاورات الجارية بشأن القوانين الانتخابية لا يجب أن تُختزل في النصوص والتعديلات، بل يجب أن تشمل أيضا ضمانات سياسية وأخلاقية واضحة لضمان مرور الانتخابات في أجواء نزيهة وشفافة، تليق بمستقبل ديمقراطي يستحقه المغاربة.








تعليقات
0