431، هذا هو الترتيب العالمي الذي نالته الدار البيضاء في مؤشر المدن العالمية لسنة 2025 الصادر عن مؤسسة “أوكسفورد إيكونوميكس”. قفزت المدينة بـ11 مركزًا مقارنة بالسنة الماضية. لكن، أي فخر في هذا؟ ماذا يعني أن تتقدم أكبر مدينة في المغرب، القلب الاقتصادي النابض، بمقدار خطوة واحدة على سلّم لا زال يضعها بعيدًا عن المراتب المشرفة؟ لا شيء في هذا الرقم يُبهج، بل يعرّي مفارقة لافتة: حجم المدينة وثقلها لا ينعكسان على واقعها ولا على تموقعها العالمي.
قد تكون الدار البيضاء في مقدمة المدن المغربية المدرجة في التصنيف، تليها الرباط، وطنجة، ثم فاس، فمراكش، فأكادير، ثم مكناس في مؤخرة الترتيب. لكن ما الجدوى من أن تكون الأولى وطنياً إن كنت متأخرة عالمياً؟ التصنيف لم يُبْنَ على العواطف أو الصور النمطية، بل على خمسة مؤشرات صارمة: الاقتصاد، رأس المال البشري، جودة الحياة، البيئة، والحكامة. في الاقتصاد، تحجز المدينة المرتبة 412، وفي رأس المال البشري تصل إلى 260، وهما مؤشران يُفترض أن يعكسا الدينامية والتنوع. لكن المشهد ينهار في المؤشرات الثلاثة الأخرى: جودة الحياة (584)، البيئة (555)، والحكامة (596). وهذه ليست مجرد أرقام، بل مرآة لواقع يومي يعرفه البيضاويون جيدًا، ويعيشه الزائر لحظة وصوله: زحام، تفاوت، هشاشة، وسوء توزيع للموارد والفرص.
هنا تتضح المعضلة. مدينة بهذا الحجم، بهذه المؤهلات، بهذا التاريخ، لا يمكن أن تكتفي بلعب دور التلميذ المجتهد الذي “تحسن قليلاً” في التصنيف. فالحقيقة أن هذا التقدم الطفيف لا يُخفي الأعطاب الهيكلية التي تشلّ التنمية الحضرية، ولا يبرر الفوارق الحادة بين الأحياء، ولا ينفي الشعور العام باللامساواة الذي يسكن يوميات الناس. فهل يكفي أن نتغنى بجاذبية اقتصادية أو موقع استراتيجي إن كانت الحكامة غائبة؟ وهل يُمكن لمدينة أن تستقطب الاستثمار وهي تعاني من اختناق في التخطيط، وضعف في البنيات، وتراجع في مؤشرات العيش؟
مشكلة الدار البيضاء ليست في تصنيف دولي يضعها في موقع دون الطموح، بل في القبول الجماعي بنموذج تنموي عقيم لم يُنتج سوى التفاوت والارتجال. هناك عطب في الرؤية، في التخطيط، في الإنجاز. وإذا لم يكن هذا التقرير ناقوس خطر، فهو على الأقل فرصة لتقويم المسار. فالمدينة لا تحتاج إلى تزيين الواجهة، بل إلى مراجعة جذرية تقطع مع السياسات الترقيعية وتؤسس لمقاربة عادلة ومنصفة للعيش الحضري.
431 ليست مجرد مرتبة، إنها رقم يصرخ في وجه المؤسسات المنتخبة، والإدارة المحلية، وكل من يعتبر أن التسيير يمكن أن يستمر بهذا الشكل. الدار البيضاء لا تحتاج إلى رتبة لتعرف قيمتها، لكن حين تقول الأرقام إن مدنًا أقل منها إمكانات تتفوق عليها في جودة العيش والإدارة، يصبح الصمت تواطؤًا. فهل آن الأوان لنعترف أن المشكل ليس في المدينة، بل في من يدبّر شؤونها؟








تعليقات
0