ردًا على التفاعل الذي أثارته التدوينة السابقة للاتحادي المصطفى عجاب عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بشأن الاتحاد الاشتراكي، وتوضيحًا لبعض المغالطات التي وردت في رد السيدة الداهي، يقدم مصطفى عجاب هذا التوضيح في إطار حوار مسؤول، إفتتحه بملاحظتين شخصيتين، ثم تفاعل بعدهما مع النقاط المثارة، دفاعًا عن تاريخ الحزب وواقعه ومساره بقيادة الكاتب الأول الأستاذ إدريس لشكر.
في ما يلي نص الرد:
” أشعرتني السيدة الداهي في الخاص انها نشرت ردا على تدوينتي السابقة جوابا على ما نشرته حول الاتحاد الاشتراكي في تدوينة سابقة، وتعقيبا على ردها، اود ان افتتح هذه المحاورة بملاحظتين:
أولاهما: حين تأخذني الحمية على الاتحاد الاشتراكي فلأنني التحقت بشبيبة الاتحاد في عمر السادسة عشرة، وخلال هذه السنوات الطوال من العمل داخل الحزب، واقول النضال، كان الاتحاد هو أسرتي التي احتضنني صغيرا وعوضتني عن حضن الأم الذي افتقدته في سنوات الصبا، هي الأسرة التي ربتني وأدبتني وهدبتني، وجدت فيها الاخوات والاخوة الذين تقاسمنا الخبز والملح وحتى المعاناة، انشغلت بالحزب حتى فوجئت بأن بناتي الثلاث قد كبرن في غفلة مني لولا الفاضلة امهن، .. ومن غير إطالة في هذا الاستطراد ظل الحزب مكونا أساسيا لهويتي، وانشغالا يوميا في حياتي، آلم لانكسارات الحزب، وأزهو لانتصاراته.
ثانيتهما: انت في المقابل، تمارسين الكتابة كانشغال واقرب للهواية، تستطيعين ان تنتقدي من تشائين وقتما تشائين ومثلما يعن لك، لست مقيدة بمرجعية، ولا خاضعة لمحاسبة في فضاء يتسع للرأي بلا ضوابط ولا قيود.. ولم استطع من متابعتي لك سوى حرصك على مصالحة فريقين من اهل قبيلة.
بعد الملاحظتين، بودي ان اتفاعل مع تساؤلاتك، وانعتها كذلك كي لا اسقط في فخ ما اعتبرته “مغالطات” في جوابي السابق، ترفعا لا جبنا.
– في التاريخ والمشروعية: لم يبدأ تاريخ الاتحاد أمس، بل يحفر عميقا في تربة البلد، وفي كل تاريخ الاتحاد تنازعته الشرعيات، منذ الجامعات المتحدة والى يوم الناس هذا. في سنوات الجمر والرصاص أدى الاتحاديون من ارواحهم وأجسادهم ضرائب جمة، كان لها ابلغ الأثر فيما نحن عليه اليوم، خلال هذا التاريخ لم يكن الاتحاد ملكا للمغاربة إلا من حيث ما قدمه من تضحيات، ومع ذلك كان الرعاة في أعالي الجبال التي آوى إليها المسلحون يتركون أغنامهم عرضة للذئاب للمساعدة في إلقاء القبض عليهم، وفي ذلك قصص ومحن تروى.. فالذاكرة والحالة هاته لا تسطع شمسها من نفس النافذة لمن يده تمسك الوردة، وذا الذي يمسك الخنجر… الاتحاد حقا ليس طائفة مغلقة لعبدة الشياطين، ولكن لا يمكن ان يكون مثل “المأوى الإسباني” في المثل الفرنسي حيث يمكن ان يلتقي الجميع بالجميع، ويستطيع كل ان يفترش أرضيته، ويعبث حتى بأثاثه.. الاتحاد حزب، في القانون كما في أصل تسمية الحزب، تحكمه قيم وضوابط وأجهزة. أعضاؤه هم الحزب، والحزب هو مجموع أعضائه.
– في التاريخ والواقع: التاريخ يكتبه المؤرخون، والواقع يصنعه الحاضرون الفاعلون . عندما نتحدث عن قاداتنا وزعمائنا، لا نستدرجهم للتخفي او التمسح، ولا حتى للتفاخر، وان كانوا ممن يحق الافتخار بهم، بل لأننا حماة تركتهم، نتأمل صورهم، ونحيي ذكراهم، ونستنير بهديهم.. بل من حقهم علينا الوفاء لتضحياتهم، ومن واجبنا تجاههم ان نظل على عهدهم نرعى الحزب الذي تعاهدنا على الانتماء لمشروعه.. وهكذا يسير قطار الاتحاد بين الخلف والسلف على نفس السكة، في حركية دائمة، أماماً بالتأكيد، وفي كل محطة ينزل المتعبون ويمتطي آخرون واثقون في المستقبل. وفي هذا المسير المتواصل لا نبتزّ التاريخ، قدرما نستخلص منه الدروس والعبر، بكل ما له وعليه.
– الزعيم والمؤسسة: الزعامة زعامة، تُكسبها الخبرة، وتشحدها العزيمة، وتعركها النوازل، تصنعهاالكاريزما، خذ عبد الرحيم بوعبيد، قدس الله سره، كان قائدا كاريزميا، لم ينازعه لاجل “التناوب الذي يغريك” من كانوا معه في القيادة ممن حملوا السلاح في وجه المستعمر، ومن رابطوا في ممرات الإعدام، بل بقي ربانا لسفينة الاتحاد حتى اسلم الروح.. هناك ربانا من نوع آخر، القرصان القابع على الشاطئ يترصد اقتراب السفينة، يستولي عليها ويقتل ربانها ويقودها لأقرب نقطة تمكنه من الاستيلاء على حمولتها، هو ربان أيضا في لحظة السطو، لكنه لن يكون ريانا حقيقيا أبدا. لذلك عندما يرأس الكاتب الاول المؤتمر في كل بقاع المغرب، خرج الاتحاديون، حتى بعد شد وجدب، متوافقين متآلفين، بحكمة القائد لا بالشرطة والعسس. عندما نُ ون جمع في القيادة، فلاننا مارسنا خلافنا، ووحدنا القائد على رأي اجتمعنا حوله، وليس لكون الكاتب الاول كان يتمنطق بحزام ناسف يهدد بتفجير المقر فوق رؤوسنا. المؤسسة الحزبية، كما غيرها من المؤسسات، كالسفينة تمخر عباب البحر، الربان الكفأ من يوصلها لبر الأمان، والقرصان قد يغرقها.
– الخلاف والاختلاف: شتان بين ان تختلف وتنافح عن رأيك في مقابل رأي يخالف رأيك، وتقبل بالديمقراطية لحسم الاختلاف، والتعبير عن الاختلاف في الحزب محله هيئات واجهزة الحزب، اما ان تحمل مكبر صوت وتذود في الأسواق العامة تسب وتلعن من يختلفون معك، فقد نتحول إلى نموذج لصراع الديكة في روما القديمة، او صراع المجالدين مع سبارتاكوس حيث لا تتوقف المعركة إلا بمنتصر حي ومهزوم ميت. المختلف يفترض ان رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب. اما الذين يخوِّنون، ويسبون ويلعنون، ينتشون إذا ضعف الحزب، ويتألمون إذا تعافى، وينصبون له المشانق، ويرتلون المراثي على روحه، وشهدنا، وشهد معنا الناس، من قال إن الاتحاد لم يعد موجودا، والذي قال إنه جثة نتنة لم تجد من يواريها الثرى..ومن شبهتنا ب “كريغور سامسا” في رواية ” التحول” لكافكا الذي تحول مسخا حينما استيقظ صباحا من نومه عقب أحلام مضطربة، ووجد نفسه قد تحول في سريره إلى حشرة عملاقة! ألم يفارق عبد الرحيم اخوة من رفقة الذرب، ألم يفارق اليوسفي ثلة من قادة ومناضلين.. وقد كان في كل فراق الم وضياع طاقات.. وربما كان في ذلك رحمة بالحزب.
– عن الكاتب الاول: في محاورتي السابقة كنت قد أوفيتك مناقب اخي الاستاذ ادريس لشكر الانسان، المواطن، القائد.. لكنك تصرين على عنادك، والعناد دليل عجز، لن اكرر ما سبق، ما الذي يدعوك لاجترار القول بكونه حاد عن المشروع الاتحادي؟ “حاصر البدائل، أقصى المعترضين، ورط الحزب في معارك شخصية، منطق المقاعد لا المبادئ”!!.. فاما عن البدائل؟ فلم نسمع بدائل ومبادرات إلا من الاتحاد في مختلف مواقعه بتوجيه من كاتبه الاول.. من تجرأ دفاعا عن تحديث المجتمع في الدعوة إلى فتح نقاش في موضوع الإرث؟ تتذكرين كيف تم تكفيره وإهدار دمه، هل انعش ذاكرتك بما كان يفعله اصحاب “البدائل” الذين تغمزين اليهم، من وصف ما نحن عليه من تغول غير الاتحاد وكاتبه الاول؟ من وقف في البرلمان دفاعا عن حقوق المواطنين في المسطرة المدنية، والمسطرة الحنائية، وقانون الإضراب.. والمجال لا يسع لمزيد.. اليس هذا هو الاتحاد الذي نعرف.. عندما تتحدثين عن المعترضين تقيمين الحجة على ان الاعتراض يفترض للمعترض حق النقض، وليس من الديمقراطية..اما عن الحاشية وليست عيبا بل وضرورة في محيط السلاطين، لكن نحن أخوات وإخوة ولم نكن يوما حاشية، تأكدي سيدتي ان الحزب تحرر فعلا من حاشية دلفت القيادة على حين غرة، استوفت مآربها وصفقت الباب وراءها، ومن يريد عودتها هو من يريد فعلا ان يخنق الحزب.
– اما عن كون الحزب ملك مشاع، فهو اولا ملك للاتحاديات والاتحاديين، بحكم الدستور والقانون التنظيمي المنظم للأحزاب، هم بناته وحماته، هم من ينظمون صفوفه، وبنافحون من أجله في مواقع تواجدهم، يسعون لتوسيع قاعدته، يكابدون من اجل ان يحسن مواقعه في الجماعات والمؤسسات، من يدفعون جزء من معاشهم لتغطية مصاريفه، من يعطلون التزاماتهم الاسرية لحضور اجتماعاته.. هؤلاء هم الاتحاد.. اما من يتغنون بماضيه من باب النوسطالجيا فلا اعتراض، اما من مر يوما ببابه تم ذهب لا يلوي على شيء، وأما من يدعون للحزب بالويل والثبور وعظائم الامور.. فلا هم شركاؤنا ولا نحن شركاء لهم.. اما المغاربة الذين يكنون التقدير للحزب، يدعمونه بأصواتهم، ويتمنون له في اعماق قلوبهم بالنصر، فهؤلاء هم نسعى جاهدين لنكون في مستوى ثقتهم ورهانهم.. لان المقاعد تهمنا.. والاتحاد بيتنا .. وإدريس لشكر قائدنا ..
ربما من سوء، او ربما من حسن، طبائعنا في الاتحاد الاشتراكي اننا حين نكون في الحزب نصير إخوانا متحابين، لكن بمجرد ما نغادر الحزب نصير عتاة قساة على الحزب وعلى الأخوة نفسها. حتى إنه يصدق علينا ما قاله فيكتور هوجو “أنا لا أكره أحدًا ، حتى صديقي الذي خذلني لازلت أحبّه ، لكني لا أستطيع تقبّله بجواري مرّة أخرى”.
وختاما أستعير مقولة لفريديريك نيتشه اعتقدها تكثف قصدي فيما كتبته اليك “حين تُطيل النظر إلى الهاوية، تنظر الهاوية إليكَ أيضًا وتنفذ فيك ومن خلالك”. فلا تطل النظر إلينا من الهاوية، نحن لسنا كذلك.
وتقبل تحياتي.








تعليقات
0