أمسيات “درقاوة” كما حفظتها ذاكرة طفل من قرية لقباب خلال ستينيات القرن الماضي

ittihadpress السبت 9 أغسطس 2025 - 21:00 l عدد الزيارات : 155114

المصطفى تودي (°)

من بين ما احتفظت به ذاكرة الطفل ليالي الذكر والحضرة بلقباب (إقليم خنيفرة)، عرفت قرية لقباب كغيرها من حواضر وبوادي المغرب كثرة الزوايا وانتشار مريديها. فمن بين ما احتفظت به ذاكرتي خلال ستينيات القرن الماضي، جلسات أهل الدليل رغم قلة عددهم. ومواكب مريدي الزاوية “الحمدوشية” و”عيساوة” إحياء للمولد النبوي بدرب “الباب أخثار” و”جاج إغرم”.  مواكب تشق فيها الجباه وتسال الدماء بالسكاكين، وينهش خلالها لحم الجديان السود أحياء، ويشرب الماء الحار وكأن حالة الجذب والغيبة التي يعيشها ممارسو هذه الطرق تجعل حرارة الماء بردا وسلاما عليهم.

وما احتفظت به ذاكرة الطفل أكثر، أمسيات “درقاوة” التي كان منزلنا القديم مسرحا لبعضها. علقت بذاكرتي أسماء ومفاهيم لم أكن أدرك مغزاها، “الحضرة”، “العمارة”، “الفقرا”، “سيدي الشيخ”، “مولاي العربي” … أسماء ومفاهيم كنت في أحسن الأحوال أربطها بتصورات وصور غير تلك التي يبجلها مريدو الزاوية ومنهم السيد الوالد وجدتي رحمهما الله.

كان السيد الوالد محسوبا على الزاوية الدرقاوية وإن لم يكن من أهل المرقعة ولا العكاز ولا السبحة، فلعله ممن صنفهم سيدي الشيخ ضمن “ذوي المحبة”. فكان حريصا على استضافة أمسيات أهل الطريقة حين يحل دوره فعادة ما تقام لإحياء ليلة الجمعة أو خلال المواسم الدينية. وكانت “بيشة” جدتي رحمها الله أكثر حرصا منه على الإعداد “لليلة الفقرا” والمشاركة في الحضرة من وراء ستار، وإن كانت قواها لا تسعفها للامتثال لضوابطها كما يفرضها “المقدم” فكانت تمارس الجذبة جالسة مكتفية بتحريك رأسها.

كان الكل يسمي ليلة الذكر تلك “إيض نلفقرا”. يطلق اسم “الفقرا” مع حذف الهمزة، على كل المريدين الذين يحرصون على الإخلاص لتعاليم سيدي الشيخ. وهذا ما كانت تردده جدتي باستمرار وتقول أن ذكر “الفقرا” وارد في القرآن وإن لم تكن تحفظ من كتاب الله عز وجل، إلا سورة الإخلاص وبعض السور القصار. وعرفت فيما بعد أنها تقصد الآية الكريمة: ” يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد”.

كثيرا ما كان “درقاويو” لقباب يستقبلون مريدين يفدون من خارج القرية لإحياء لياليهم. فلا يمر دخول “الفقرا” إلى لقباب مر الكرام، فهم يقطعون الطريق المؤدية إلى منزل الليلة بالتكبير والتهليل والإجلال والتعظيم، وتلاوة الأذكار والأوراد جماعة وبلسان واحد. يتقدمون متشابكي الأيدي ترصع صدورهم سبحات مختلفة الأحجام، يتأبطون عكاكيز تطول أو تقصر، برزات خضراء وجلابيب رثة تبرز زهدهم في الدنيا وشوقهم إلى الله. فهمت فيما بعد أن مظهرهم هذا تنزيل لمبدأي التجريد وخرق العوائد كما أوصى بهما شيخ الطريقة مولاي العربي الدرقاوي في إحدى رسائله، التي يعتبرونها حامل أسرار الطريقة وأحوالها ونبراس السلوك، فهي أنفع للمريد ولا يجحد فضلها إلا هالك. حيث دعا فيها، أتباعه إلى تصفية الباطن وتخريب الظاهر، فذلك هو السبيل لأخذ الناس إلى الله.

وكنت أعجب لماذا لم يكن “درقاويو” لقباب مثل هؤلاء “الفقرا”؟ فلم يكونوا منقطعين عن الناس بل كانوا حرفيين وتجار يشاركون في حياة القرية، يلبسون ما لا يحيد عن عادات أهلها لا يتأبطون العكاكيز ولا يغطون رؤوسهم بالعمائم الخضراء ولا يرصعون صدورهم بالسبحات العجيبة… فهمت فيما بعد أنهم بسلوكياتهم تلك لم يحيدوا عن وصايا شيخهم الأكبر “مولاي العربي” الذي شدد في إحدى رسائله على أن، الفقير “… المنقطع على الخلق ضعيف، والقوي هو الذي لا يفارقهم”.

كان موكب “الفقرا” بلقباب يقابل بالإجلال والتقدير فيعلم كل سكان لقباب أن “الليلة “ستكون في المنزل الفلاني. أما الطفل فكانت المواكب تلك تملأني رهبة وخوفا لأن هيئة “الفقير” ترتبط في ذاكرتي آنذاك “بالمجاذيب” المنقطعين عن الناس في الكهوف والمغاور. وقبل الولوج إلى المنزل المضيف، يتجمع “الفقرا” حول “مقدم” يردد الأمداح يرافقه الآخرون برقصات مضبوطة مرددين اسم الجلالة الأعظم.

من “مقدمي” الطريقة وشيوخها بلقباب، أتذكر عمي “مدان نآيت واقا”. رجل وقور قليل الكلام يميل إلى الصمت ربما امتثالا لوصايا سيدي الشيخ، طويل القامة نحيف الهيئة ناصع البياض. وعمي “بوصابون” رجل مكتنز الهيئة ذو لحية كثيفة ورزة خضراء وسبحة غليظة غالبا ما كانت تحيط بعنقه. حضوره يوحي بالوقار بل بالرهبة ذلك لأن صورته ارتبطت في ذاكرتي الطفولية “بسيدي الخضر” عليه السلام، وإن لم أكن أعلم من سيرة “الخضر” إلا الاسم.

“عمي مدان” و”عمي بوصابون” هما من كانا يقودان “عمارة” درقاوة بلقباب. يتوسطانها بالتناوب، ينبهان على كل ما من شأنه أن يشوش إمكان الوصول إلى لحظة الصفاء العلوية. يرددان الأمداح ويرافقهما الآخرون بتحريك أجسادهم بشكل متناغم. يرفعونها حتى تنتصب على أصابع أقدامهم ثم يتركونها تهوي مرفوقة بذكر “الله” مع الشهيق صعودا، وبترديد “الحي” مع الزفير نزولا.

هكذا تستمر “العمارة” بل وتتسارع الحركات والأنفاس حتى يقوى الشهيق والزفير فتنهمر أودية العرق من الجباه وتتساقط “الرزات” وتتعرى الرؤوس. وبين الفينة والأخرى يجهر بعضهم باسم الله الأعظم. تستمر الجذبة هكذا حتى يأمر المقدم بخفض الوتيرة وترديد اسم الله الأعظم باستمرار ليتوقف “الجذب” بالصلاة على خير البرية فتخر الأجساد على الأرض وتبدأ الأوراد.

ما كان يثير دهشتي وامتعاضي آنذاك، ترديدهم لنفس الكلمات بشكل متكرر لا ينتهي فلم أكن أعلم من أوراد درقاوة إلا تلك الرتابة التي كانت تؤرقني وتطيل انتظاري لجذبة موالية. لم أكن أعلم أن شيخ الطريقة أوصى من بين ما أوصى به، التعوذ من الشيطان الرجيم، ثم البسملة، ثم الصلاة على النبي مائة مرة، ثم لا إله إلا الله مائة مرة ثم سورة الاخلاص ثلاث مرات ويختم الورد بفاتحة الكتاب مرة واحدة والدعاء للشيخ وللمسلمين.

فما كان يهم الطفل الحركة والجذبة والرقص، وتأمل حركات رأس الجدة وهي ترافق “الفقرا”، حيث يرتج العقل ويستقيل أمام عوالم الذوق والوجدان. وحين تخفت الوثيرة وتخر الأجساد على الأرض تسارع رحمها الله إلى المطبخ لتأمر السيدة الوالدة بالإسراع في إعداد “الصينية” والشاي أو العشاء قائلة: “سدرف هاتين سخفن” (أسرعي لقد انهارت قواهم)

لم تكن استضافة “درقاوة” تكلف العائلة المضيفة الكثير. فامتثالا لوصايا الشيخ في التجريد فهم “يهملون البطن” ويذمون الإسراف ويقنعون بالقليل، فالبطنة تعيق في عرفهم “الحضرة” والحزب والورد والذكر. فكان عشاء “درقاوة” كسكس به القليل من اللحم. وفي الغالب ما يحضر كل درقاوي خبزه إن كان “الطجين” هو الأكلة المختارة. وأما فطور “الفقرا” ففي الغالب ما يكون هو “الحريرة” أو ما يعرف “بالحسوة…تلكم نظرة عن أمسيات درقاوة كما خزنتها ذاكرة الطفل الذي كنته خلال ستينيات القرن الماضي…

(°) فاعل مدني

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image