صناعة الوهم وتسميم الوعي في بودكاست “هذا ما سيقع لأبنائك إذا تركتهم مع زعماء الأحزاب المغربية”

ittihadpress الأحد 10 أغسطس 2025 - 23:26 l عدد الزيارات : 226046

•⁠ ⁠د  إيمان الرازي

في كل مرة يعود فيها توفيق بوعشرين إلى الساحة الإعلامية، ومعه ذلك المزيج المسموم من الشعبوية الرخيصة، والعدمية البئيسة، والتلذذ بجلد كل ما يمتّ بصلة للفعل الحزبي الوطني الجاد، وكأنه يعتقد أن ضرب الأحزاب الوطنية هو ضرب للنظام السياسي، أو أن السخرية الرخيصة هي أقصى درجات الجرأة الفكرية، وهذا ما ظهر بجلاء في بودكاسته الأخير، المعنون بـ “هذا ما سيقع لأبنائك إذا تركتهم مع زعماء الأحزاب المغربية”، الذي لا يكشف فقط عن فقر تحليلي بين، بل عن نية مبيتة في تعميم خطاب اليأس، وتكريس انعدام الثقة، وتحويل النقاش السياسي من مستوى نقد السياسات العمومية إلى مستوى الهجوم الشخصي المبتذل، في انسجام كامل مع أجندة إعلامية متكاملة تقتات على الإثارة، وتتغذى من كره السياسة وتبخيس العمل الحزبي.

بوضع هذا العنوان المثير، يعتقد بوعشرين أنه يخاطب “غريزة الخوف” لدى المتلقي، لكنه في الواقع لا يفعل سوى إعادة إنتاج الخطاب المافيوزي الذي يرى السياسة مجرد مسرح دمى متحركة، وأن الفاعلين السياسيين ليسوا إلا وحوشا تنهش المجتمع. فهو بذلك، لا يقدم قراءة نقدية موضوعية لمسار الأحزاب، ولا يحلل ذلك ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي، بل يقفز مباشرة إلى شيطنة شاملة، ويخلط بين الفاسد والجاد، بين الانتهازي والنزيه، في عملية تعميم مقصودة هدفها النهائي هو قتل الأمل في أي تغيير ديمقراطي عبر المؤسسات.

بوعشرين هنا، ليس صحافيا بالمعنى النبيل للكلمة، بل هو أقرب إلى “مؤثر” من الدرجة الرديئة، يستثمر في انعدام الثقة الذي غذته سنوات من السياسات النيوليبرالية الفاشلة، ويستغل إحباط الناس ليحولهم إلى جمهور سلبي، يتفرج ويشتم، لكنه لا يشارك ولا ينظم ولا يناضل. كل ذلك يقوم على ما يمكن أن نسميه “التسطيح الممنهج” متجاهلا أن الأحزاب الوطنية – وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي – خاضت معارك مريرة من أجل الحريات، وأن الأزمة اليوم ليست نتيجة مؤامرة حزبية على الشعب أبدا، لكنه يفضل تصوير الأحزاب كعصابات، لأنه يعلم أن الجمهور الذي أريد له التعب من السياسة سيلتهم هذا النوع من “الكوميديا السوداء” بلا مقاومة.

بودكاست بوعشرين الأخير، ليس مجرد مادة إعلامية ضعيفة المحتوى، لكنها جزء من عملية أوسع لتصريف خطاب “ما بعد السياسة”، الخطاب الذي يروج لفكرة أن كل شيء فاسد، وكل شيء عبثي، وأن لا جدوى من الفعل الجماعي أو التنظيم السياسي. هذه الفكرة التي تخدم مباشرة بقاء الوضع على ما هو عليه، لأنها تقتل إمكانية بناء بديل تقدمي حقيقي، فحين يصبح المواطن مقتنعا بأن كل الأحزاب متشابهة، فإنه إما ينكفئ إلى لامبالاة سامة، أو يهرب إلى الشعبوية الفارغة، أو يفتح الباب لليمين المتطرف والمتدين ليملأ الفراغ بما لا يناسب.

إن ما يثير الغضب في خطاب بوعشرين هو أنه يتستر خلف قناع “النقد” ليقوم في الواقع بوظيفة تدميرية. النقد الحقيقي – كما مارسه الاتحاد الاشتراكي منذ عقود – لا يعني جلد الذات بلا أفق، بل يعني كشف مواقع الخلل وتقديم بدائل عملية وفق ميكانيزمات النقد الحقيقي الذي يميز بين حزب وطني قدم شهداء ومعتقلين في سبيل الديمقراطية، وبين طارئ سياسي يشتري الأصوات بالمال أو بالدين.

هذا النوع من الخطاب الإعلامي ليس بريئا بتاتا، لأنه يعيد إنتاج ما تريده قوى الهيمنة والشيطنة: تحويل المواطنين إلى مستهلكين للفرجة السياسية، لا إلى فاعلين فيها. وحين تزرع في وعي الناس فكرة أن السياسة مجرد لعبة قذرة، فإنك تدفعهم عمليا إلى ترك الساحة لبارونات المال وتجار الدين وسماسرة المآسي، وتمنح هؤلاء شيكا على بياض لتقرير مصير البلاد.

لقد حان الوقت لفضح هذا النمط من الإعلاميين الذين يتخفون وراء شعارات الحرية والنقد، بينما يضربون في العمق كل إمكانية لبناء مشروع وطني ديمقراطي، فمن السهل جدا أن تجلس خلف ميكروفون وتطلق أحكام قيمة على الجميع، لكن من الصعب – والذي يتهرب منه بوعشرين – هو النزول إلى عمق الأزمة، والحديث عن شروط تحرير السياسة.

خطاب الاتحاد الاشتراكي واضح في هذا الصدد: نحن نرفض أي تبخيس للعمل السياسي المنظم، ونعتبر أن تقوية الأحزاب الوطنية الجادة شرط لبناء الديمقراطية، وأن النقد يجب أن يكون أداة للإصلاح لا معولا من معاول للهدم. أما من يختار الاصطفاف، عن وعي أو عن جهل، في صف “ثقافة العدمية”، فهو يخدم – بشكل مباشر أو غير مباشر – استمرار بنية الفساد والاستبداد التي يدعي معارضتها.

إن ما يقدمه بوعشرين اليوم هو استمرار لخط إعلامي يضعف الجبهة الداخلية وطنيا، ويشوش على الصراع الحقيقي، ويحول النقاش العام إلى ساحة للتنابز الشخصي. ولأننا أبناء مدرسة نضالية تؤمن أن الوعي هو سلاح التغيير، فإننا نرى أن من واجبنا كشف هذا الخطاب وفضح منطقه، ليس مجاملة ولا مداراة، لأن المعركة ليست مع شخصه، لكنها ضد كل منظومة التبخيس والشيطنة التي يمثلها.

ومن باب رد السؤال بسؤال، ماذا لو كان أطفالنا مع توفيق بوعشرين نفسه؟ أليس هو المتهم والملفوف اسمه بفضائح الاتجار بالبشر واستباحة أجساد النساء واستغلال العاملات، إيه نعم وهو صاحب السلوكيات الجنسية الشاذة والنزعات السادية التي وثقتها المحاضر وأحكام القضاء؟ أليس الأجدر أن نسأل عن الخطر الحقيقي حين يترك أطفال أي شعب مهما كانت جنسيته مع بائع للوهم والبشر في آن واحد، بدل نسج سيناريوهات سخيفة عن قادة الأحزاب الوطنية؟ لا إدريس لشكر ولا نزار بركة قد فتحا حضانة أو ادعيا أنهما مربيان للأطفال، لأن أبناء المغاربة مكانهم الطبيعي المدارس والمعاهد، حيث العلم والتكوين، لا في أن نتركهم في حضرة إعلامي مشبوه يحترف التلاعب بالعقول وتسميم الوعي والتلذذ بلحوم النساء الطرية والاتجار بها.

وباختصار، فإن بودكاست “هذا ما سيقع لأبنائك إذا تركتهم مع زعماء الأحزاب المغربية” ليس سوى حلقة أخرى في مسلسل طويل من تدمير الثقة السياسية، وتسميم النقاش العام، وتفريغ السياسة من مضمونها النضالي. ومن موقعنا، سنواجه هذا الخطاب بنفس الصرامة التي نواجه بها خطاب الهيمنة حين يفرغ الديمقراطية من مضمونها، لأن المعركة الحقيقية هي معركة وعي، ومن يضلل الناس عن قصد أو عن جهل، فهو جزء من المشكلة لا من الحل.

 أستاذة جامعية وفاعلة سياسية ونقابية

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image