كشفت المذكرة التوجيهية التي أصدرها رئيس الحكومة لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 عن قصور كبير في تجديد الخطاب الحكومي وعن استخفاف غير مفهوم بذكاء المواطنين وذاكرتهم القريبة والبعيدة. فهذه المرة كما في السنوات التي طبعت إعداد قانون المالية لم يكن في جعبة الحكومة أي جديد، سوى تكرار ما سبق أن ضمنته في مذكرتها للسنة المالية 2025، بل وحتى في سنوات سابقة. نفس العبارات ذاتها تتكرر والمضامين كذلك من تغييرات الصياغة والتواريخ، لا غير. وهو جوهر انطباع عام لدى المتتبع أمام واقع يضعنا أمام صورة حكومة تنسخ ما سبق أن قالته في خطاباتها الرسمية وبرامجها المعلنة، في استهتار مفضوح بذاكرة الرأي العام التي لا يمكن أن تمحوها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
أحد أبرز الأمثلة على هذا التكرار يتعلق بالتوصيات الخاصة بترشيد النفقات العمومية، ففي مذكرة 2025 دعا رئيس الحكومة بوضوح إلى “التحكم في نفقات التسيير عبر تقليص نفقات الكراء والتجهيز، وتفادي اللجوء لشراء السيارات إلا في الحالات القصوى”. كما شدد على الحد من اقتناء السيارات الإدارية إلا عند الضرورة. وها هي مذكرة 2026 تكرر نفس التعليمات، حيث دعت الحكومة مجددا إلى التحكم في نفقات السفر والتنقل داخل وخارج المملكة. هذه التوصيات المتكررة تعكس أنها إجراءات شكلية لإكراميات ظرفية مالية وتوجه نحو عقلنة المال العام.
غير أن ما يثير الانتباه، أن المذكرة الموجهة لإعداد مشروع قانون مالية 2026 لم تقتصر على تكرار التعليمات ذاتها، بل تضمنت أيضا بعض التحديات التقنية. حيث استعارت عبارات من قبيل “التقليص إلى أقصى حد من نفقات التسيير” و“الحد من نفقات السفر داخل وخارج الوطن” و“ترشيد تكاليف كراء وشراء السيارات”، بل وحتى التحذير من “الانخراط في عمليات بناء أو تهيئة مقرات إدارية جديدة إلا في الحالات القصوى وبعد موافقة مسبقة”. القارئ لهاتين المذكرةين يلمس بوضوح أن الأمر يتعلق بعملية نسخ ولصق شبه حرفية، حيث يعيد إنتاج نفس التعليمات والتوجيهات في سنتي 2025 لتظهر مجددا في 2026 وكان شيئا لم يتغير.
وإذا كان هذا المثال الصارخ يعكس استنساخ التعليمات المرتبطة بالنفقات الإدارية، فإن مجالات أخرى تطبعها الخاصية نفسها. ففي مجال الاستثمار مثلا، عادت المذكرة التوجيهية لتؤكد على ضرورة تعزيز الاستثمار العمومي وتكثيف الجهود لدعم الاستثمار الخاص، تماما كما ورد في مذكرة 2025، بنفس الصياغة تقريبا، مع تغيير في المواعيد والأرقام.
ولعل ما يثير الانتباه أيضا أن العبارات ذاتها التي جرى إيرادها في مذكرة 2026 مرفوقة بلفظ “المواصلة”، مما يعني أن لا عنصر إضافي يرفع مستوى النقاش المحرز أو يقترح مسالك جديدة لتجاوز التكرار الممل. في قطاع التعليم، أعادت المذكرة لسنة 2026 استنساخ مضمون ما ورد في مذكرة 2025 مع فارق بسيط يتعلق بالتواريخ، إذ تحولت “خارطة الطريق 2026-2022” إلى “خارطة الطريق 2027-2023”، فيما بقيت نفس الأهداف والمشاريع على حالها. هذا التحيين الشكلي يبرز بوضوح أن الحكومة تلجأ إلى استبدال التواريخ دون أن تقدم إشارات أو تجسيدات على التقدم في إدخال إصلاحات جوهرية على السياسات العمومية.
أما في مجال الصحة، فقد استنسخت الخطاب نفسه بخصوص “السجل الوطني” و“منظومة الحماية الصحية”، دون أن تقدم ما يثبت فعالية هذه البرامج في الميدان. ففي مذكرة العام الماضي تم التشديد على المضي في هذه الأوراش باعتبارها مشاريع استراتيجية. ليعاد في المذكرة الراهنة الحديث بنفس اللغة أو أو قريبا منها، من دون أن يتم عرض أي تقييم أو حصيلة لهذه المشاريع.
أبرز ما يعكس هذه الوضعية أن الحكومة لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى الطموحات، بل ظلت تكرر نفس التعليمات وكأنها مجرد واجب إداري يتم القيام به بشكل آلي. هذا يطرح أكثر من سؤال حول مدى جدية الحكومة في استيعاب التحديات الحقيقية للمرحلة.
ولا يختلف الأمر في باب الأرقام، ففي مذكرة 2025، أعلنت الحكومة أن 3.8 مليون أسرة استفادت من الدعم الاجتماعي، بينما ارتفع الرقم في مذكرة 2026 إلى 4 ملايين أسرة. الزيادة تبدو طفيفة ومجرد تعديل رقمي، إذ لم ترفق بأي تفاصيل إضافية حول تحسين آليات الدعم أو توسيع نطاق الاستهداف، مما يجعلها أقرب إلى تعديل رقمي للنص أكثر من كونها سياسة.
إعادة إنتاج مكررة لنفس الأهداف والبرامج، وبدل أن تكون مناسبة لتقييم الحصيلة وتحديد الأولويات، تحولت إلى وثائق يعاد تدويرها سنويا مع تغييرات طفيفة في التواريخ والأرقام والصياغات، ما يفقدها قيمتها كأداة حقيقية للتوجيه المالي والاستراتيجي، ويجعلها أشبه بتقليد بيروقراطي شكلي يتكرر ليس له أثر ملموس على أرض الواقع.
إجتماعيات جديدة. كذلك الحال بالنسبة لنسبة النمو، التي بقيت ثابتة عند 4.6% في السنتين المتتاليتين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى واقعية التقديرات الحكومية أو جدية مراجعتها.
وتكشف هذه الأمثلة – من النفقات الإدارية إلى الصحة والتعليم والبنية التحتية والدعم الاجتماعي – أن المذكرات التوجيهية للحكومة لم تعد سوى إعادة إنتاج مكررة لنفس الأهداف والبرامج.








تعليقات
0