قررت الحكومة الإسبانية المضي في خطوة غير مسبوقة على مستوى الشفافية المؤسسية، عبر المصادقة على مشروع قانون جديد للمعلومات المصنفة، يفتح الباب أمام رفع السرية عن آلاف الوثائق التاريخية التي كانت حبيسة الأرشيف منذ عقود.
هذه الوثائق، التي تعود إلى مرحلة الاستعمار وما تلاها من انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975، تكتسي حساسية خاصة لأنها ترتبط بواحدة من أكثر القضايا جدلاً في العلاقات بين مدريد والرباط، ولأنها تحمل في طياتها تفاصيل دبلوماسية وسياسية وعسكرية قد تُلقي الضوء على ظروف مغادرة إسبانيا للصحراء والمسار الذي أعقبها.
القانون الجديد، الذي صادق عليه مجلس الوزراء الإسباني في يوليوز الماضي، يحدد لأول مرة آجالاً واضحة لرفع السرية: 45 سنة بالنسبة للوثائق المصنفة “بالغة السرية” مع إمكانية التمديد لمرة واحدة بخمسة عشر عاماً إضافية، و35 سنة بالنسبة للوثائق السرية قابلة للتمديد عشر سنوات، بينما ترفع السرية عن الوثائق الأقل حساسية في آجال تتراوح بين أربع وتسع سنوات. كما ينص المشروع على أن تكون وزارة الرئاسة هي الجهة المسؤولة عن تدبير هذا الملف عوض أجهزة الاستخبارات، ضماناً للطابع المدني والمؤسساتي في التعامل مع الأرشيف. ومن شأن هذا الإصلاح أن يفتح أمام الباحثين والإعلاميين والجمهور إمكانية طلب الاطلاع على الملفات، مع إقرار آلية للطعن القضائي أمام المحكمة العليا إذا ما رفضت الإدارة الطلبات بشكل صريح أو ضمني، فضلاً عن استثناء الوثائق المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من أي قيود.
ويتضمّن القانون فترة انتقالية لسريانه (المعروفة قانونياً بـ vacatio legis) مدتها عام كامل، تبدأ بعد نشر النص في الجريدة الرسمية للدولة (BOE). وإذا ما استكملت مراحل المصادقة البرلمانية بالسرعة المنتظرة، فمن المرجح أن يُنشر القانون في الربع الأخير من سنة 2025، على أن يدخل حيز التنفيذ العملي ابتداءً من الربع الأخير من سنة 2026، وفق ما أوضحته صحيفة El País.
هذا التطور التشريعي لا يقتصر على كونه تحديثاً لقانون يعود إلى سنة 1968، بل يحمل أبعاداً دبلوماسية بالغة الأهمية. فالمغرب، الذي ظل يطالب بقراءة تاريخية منصفة لقضية الصحراء، يجد نفسه اليوم أمام فرصة جديدة لتعزيز روايته الرسمية بالاستناد إلى وثائق أصلية صادرة عن الدولة الإسبانية نفسها. أي إشارة في هذه الوثائق إلى تعامل مدريد مع الرباط كصاحبة سيادة فعلية، أو إلى التزامات سابقة في هذا الاتجاه، ستمنح المغرب سنداً دبلوماسياً قوياً يمكن توظيفه في المحافل الدولية لإقناع المترددين وتفنيد مزاعم خصومه. أكثر من ذلك، فإن إخراج هذه الوثائق إلى العلن يتيح إعادة صياغة الرواية التاريخية بالصورة التي تُظهر السياق الحقيقي للانسحاب الإسباني، وما رافقه من ضغوط دولية ومواقف إقليمية، وهو ما يفتح أمام المغرب مجالاً لتثبيت قضيته في ذاكرة العالم من زاوية موثوقة وموثقة.
في النهاية، فإن انفتاح الأرشيف الإسباني لا يختزل في كونه تدبيراً قانونياً داخلياً، بل يمثل لحظة فارقة في مسار العلاقات المغربية الإسبانية، ويوفر للمغرب فرصة نادرة لتعزيز موقعه الدبلوماسي استناداً إلى شهادة الأرشيف والذاكرة الرسمية لإسبانيا نفسها.








تعليقات
0