قدم تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، يستند إلى الإطار التحليلي لتشخيص التشغيل الأخضر المعتمد من طرف منظمة العمل الدولية، قراءة شاملة للفرص والتحديات المرتبطة بالانتقال نحو الاقتصاد الأخضر في المغرب، مع التركيز على تأثيرات التغيرات المناخية وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية وسوق الشغل.
ويهدف التقرير إلى تحليل ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في التأثيرات الفيزيائية للتغير المناخي، والمخاطر المرتبطة بسياسات التخفيف والتكيف، إضافة إلى الفرص الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تواكب التحول نحو نموذج تنموي أكثر استدامة. ويؤكد أن المغرب يواجه اليوم تحديا مزدوجا يتمثل في الحد من آثار التغيرات المناخية، وفي الوقت نفسه إنجاح انتقال اقتصادي قادر على خلق فرص شغل وتحقيق إدماج اجتماعي أوسع.
وأبرز التقرير، أن الاضطرابات المناخية، مثل تواتر موجات الجفاف وتراجع التساقطات وارتفاع مستوى البحر وموجات الحرارة، تشكل تهديدا مباشرا للمنظومات البيئية والزراعية والبنيات التحتية وصحة السكان. كما يشير إلى أن التحولات الاقتصادية والديموغرافية تفرض ضغطا متزايدا على سوق الشغل، خاصة مع ارتفاع بطالة الشباب وضعف مشاركة النساء وانتشار العمل غير المهيكل وعدم ملاءمة الكفاءات مع حاجيات الاقتصاد.
وفي هذا السياق، يرى التقرير أن الاقتصاد الأخضر يمثل في آن واحد ضرورة تنموية وفرصة استراتيجية. وتفيد التقديرات بأن حصة الوظائف المرتبطة بالاقتصاد الأخضر في المغرب قد تتراوح بين 0.5% إذا اقتصر القياس على المهن البيئية المباشرة، وتصل إلى نحو 26% عند احتساب المهن القابلة لاكتساب مهارات خضراء جديدة. ويعني ذلك أن التحول لن يعتمد أساسا على ظهور وظائف جديدة بالكامل، بل على “تخضير” تدريجي لمهن قائمة بالفعل. حسب المندوبية السامية للتخطيط.
ويستعرض التقرير القطاعات الأكثر ارتباطا بهذا التحول، حيث يبرز الزراعة والصناعات الغذائية، بوصفها قطاعات حساسة للإجهاد المائي لكنها تحمل إمكانات كبيرة عبر تقنيات الري المستدام وتثمين المنتجات. وقطاع البناء، الذي سيتجه إلى اعتماد معايير النجاعة الطاقية والبناء المستدام. وقطاع الطاقة، مع تنامي دور الطاقات المتجددة كالشمس والرياح والهيدروجين الأخضر. وتدبير الموارد المائية، باعتباره أولوية وطنية في ظل التغيرات المناخية. وقطاع الخدمات، خاصة السياحة والخدمات اللوجستية والرقمية، التي يمكن أن تخلق فرصا جديدة ضمن الاقتصاد الأخضر.
ويخلص التقرير، إلى أن الانتقال نحو اقتصاد أخضر في المغرب ليس خيارا بيئيا فقط، بل مسارا اقتصاديا واجتماعيا متكاملا يتطلب سياسات عمومية منسجمة، واستثمارا في المهارات، وتعزيز الابتكار، بما يضمن تنمية مستدامة وفرص شغل لائقة في المستقبل.
ويشير التقرير إلى أن نجاح الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر في المغرب يظل رهينا بتطوير المهارات والكفاءات المهنية. إذ يتوقع أن تتطلب ما بين 10 و13 في المائة من فرص الشغل اكتساب مهارات خضراء متخصصة، تشمل تقنيات البناء المستدام، والنجاعة الطاقية، وتدبير النفايات، وصيانة تجهيزات الطاقات المتجددة، إضافة إلى استخدام الأدوات الرقمية في التتبع البيئي. ويطرح ذلك تحديا مزدوجا يتمثل في ملاءمة منظومة التكوين المهني والتعليم التقني مع هذه المتطلبات الجديدة، وضمان إدماج الشباب والنساء والعمال الأكثر هشاشة في هذه الدينامية.
ورغم الفرص المتاحة، يسجل التقرير استمرار عدد من الإكراهات التي قد تبطئ وتيرة التحول، من بينها محدودية ظهور مهن جديدة بالوتيرة المطلوبة، واحتمال فقدان مناصب شغل في بعض القطاعات التقليدية، خصوصاً السياحة والأنشطة المرتبطة بالطاقات الأحفورية. كما أن كلفة الاستثمارات الضرورية لدعم الانتقال تبقى مرتفعة، مع استمرار الاعتماد على التمويلات الخارجية ومتطلبات الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية، فضلاً عن ضعف المعطيات الإحصائية حول الوظائف الخضراء وصعوبة تتبع السياسات العمومية في هذا المجال.
وفي ضوء هذه التحديات، يدعو التقرير إلى تكثيف برامج التكوين وإعادة التأهيل المهني، وتعزيز دور أنظمة التعليم والتكوين التقني والمهني في إدماج المهارات الخضراء داخل المناهج. كما يشدد على ضرورة تسريع الاستثمارات في البحث العلمي والابتكار والصناعة المرتبطة بالطاقات المتجددة، وتكييف البنيات التحتية مع المعايير المناخية، إلى جانب اعتماد سياسات عمومية تضمن انتقالا عادلا يوازن بين خلق فرص الشغل وتحسين جودة العمل وتعزيز الإدماج الاجتماعي، خاصة لفائدة الشباب والنساء.
كما يؤكد التقرير أهمية تقوية الحكامة وتطوير منظومات الرصد والإحصاء لتقييم التقدم المحقق وتوجيه السياسات بشكل مستمر، بما يضمن فعالية التدخلات العمومية واستدامتها، بتنسيق مع شركاء دوليين من قبيل البنك الدولي. ويخلص التقرير إلى أن المغرب يمتلك مؤهلات حقيقية لتوجيه اقتصاده وسوق الشغل نحو نموذج أكثر استدامة، غير أن هذا التحول سيبقى تدريجياً وتراكمياً. فنجاحه لا يتوقف فقط على إحداث وظائف جديدة، بل على إعادة تأهيل المهن القائمة وتعميم الممارسات البيئية الجيدة وتطوير المهارات الخضراء وضمان إدماج الفئات الهشة. وإذا ما أُحسن تدبيره، يمكن للانتقال الأخضر أن يتحول إلى رافعة استراتيجية تجمع بين تعزيز الصمود المناخي وتحقيق التنافسية الاقتصادية وترسيخ العدالة الاجتماعية.








تعليقات
0