الحكومة وأغلبيتها تحولان الإضراب من حق دستوري إلى فخّ قانوني

rami السبت 20 سبتمبر 2025 - 17:02 l عدد الزيارات : 109421

في الرابع والعشرين من شتنبر 2025 سيدخل قانون الإضراب حيّز التنفيذ، لا بوصفه لحظة لتعزيز الحقوق الاجتماعية كما بشّر بها الدستور، بل كإعلان عن ميلاد مرحلة جديدة عنوانها التضييق المسطّر بالقوانين. فالقانون التنظيمي رقم 97.15 لم يأتِ ليكرّس ما ناضلت من أجله النقابات والحركات الاجتماعية عقوداً من الزمن، بل ليضع قيوداً ثقيلة على ممارسة أحد أنبل الحقوق: حق الإضراب.

‎المشرّع جعل من الإضراب مسألة شبه مستحيلة، محصورة في دهاليز المساطر والنصاب القانوني والأجل الزمني، حتى صار العامل البسيط، إن هو تجرأ وتوقف عن العمل بشكل فردي، مهدداً بالفصل من دون أجر ومن دون تعويض، وكأن الإضراب تحوّل من حق دستوري إلى فخّ قانوني. لا يكتفي النص بربط ممارسة الحق بإذن النقابات الأكثر تمثيلية أو لجان الإضراب المستوفية لشروط تعجيزية، بل يجعل من أبسط فعل احتجاجي خارج هذه القوالب جريمة تستوجب العقاب.

‎أما العقوبات فحدّث ولا حرج: غرامات تصل إلى مائة ألف درهم، ومساطر لا تنتهي، وأبواب مفتوحة أمام المشغلين لتعويض المضربين في حالات معينة بقرارات قضائية عاجلة. بهذا، يصبح ميزان القوى منحازاً منذ البداية إلى سلطة رب العمل والدولة، فيما يُترك العامل في مواجهة تعقيدات قانونية وأعباء مالية، إذا ما أخطأ في فهم بند أو أغفل إجراء.

‎المفارقة أن القانون يتحدث عن “ضمان التوازن بين حقوق الأجراء ومصالح أرباب العمل ومصلحة الوطن”. لكن الواقع أن ما يرسّخه هو ضمان استمرارية المرافق والخدمات أولاً، حتى لو جاء ذلك على حساب الحق في الاحتجاج. المستشفيات، المحاكم، الماء والكهرباء، النقل… كلها صنفت “مرافق حيوية” يُفرض فيها حد أدنى من الخدمة، أي أن الإضراب فيها يبقى صورياً لا أكثر. أما الأمن والشرطة والدبلوماسيون والعسكريون، فقد استُبعدوا تماماً من دائرة الحق.

‎في الجوهر، لا يُسائل هذا القانون أعطاب سوق الشغل، ولا هشاشة الأجور، ولا ظروف العمل المزرية، بل يجرّم العامل إن تجرأ على التعبير بوسيلة مشروعة. إنه قانون يرفع شعار “الإضراب حق مكفول” بينما يفرغه من مضمونه عبر الشروط والقيود والجزاءات.

‎الدرس البارز اليوم هو أن المغاربة مدعوون إلى وعي جديد: من يخطئ في قراءة هذه المقتضيات قد يجد نفسه مطروداً من عمله أو محملاً بغرامة ثقيلة. لم يعد مسموحاً بالإضراب العفوي، ولم يعد المجال مفتوحاً أمام أشكال الاحتجاج البسيطة. الإضراب صار حكراً على النقابات المنظمة، وأي خروج عن النص يساوي خسارة الحقوق.

‎في 24 شتنبر، يبدأ عهد جديد، ليس في تعزيز الديمقراطية الاجتماعية، بل في تضييق مساحتها. ومن هنا تبرز المفارقة المؤلمة: القانون الذي كان يفترض أن يحمي العمال من شطط المشغلين، قد يتحول إلى سلاح إضافي في أيديهم.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image