سجّل الاقتصاد الوطني خلال الفصل الثاني من سنة 2025 مجموعة من المؤشرات المقلقة التي تضع علامات استفهام حول استدامة النمو المسجل. فبينما تعلن الأرقام الرسمية عن تحسن نسبي في الناتج الداخلي الإجمالي، تكشف القراءة المفصلة لمكونات هذا النمو عن اختلالات هيكلية تمس التوازنات الخارجية والداخلية على حد سواء.
وفقاً لما ورد في المذكرة الإخبارية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط حول الحسابات الوطنية للفصل الثاني من 2025، فإن المبادلات الخارجية للسلع والخدمات سجلت مساهمة سلبية في النمو الاقتصادي بلغت 4.4 نقطة، مقابل 4.1 نقطة في الفترة نفسها من العام الماضي. ويُعزى ذلك أساساً إلى الارتفاع السريع في الواردات (+15.7%) مقارنة بالصادرات (+8.5%)، ما أسفر عن مساهمة صافية سالبة قدرها 7.9 نقطة، مقارنة بـ6.8 نقطة سنة 2024.
كما أبرزت المذكرة أن الحاجة إلى تمويل الاقتصاد الوطني تفاقمت بشكل ملحوظ. فإجمالي الاستثمار ارتفع إلى 32.5% من الناتج الداخلي الإجمالي مقابل 30% سابقاً، لكن النتيجة كانت انتقال الحاجة إلى التمويل من 1.6% إلى 3.2% من الناتج. وزاد الوضع تعقيداً تراجع صافي الدخول المتأتية من الخارج، منتقلاً من زيادة نسبتها 5.6% إلى انخفاض بـ0.9%.
البيانات تُظهر كذلك تباطؤاً في القيمة المضافة لقطاعات حيوية، منها التعليم والصحة والعمل الاجتماعي التي لم تتجاوز نسبة نموها 5.7% عوض 6.4%، وقطاع النقل والتخزين الذي هبط إلى 4.3% بعد أن كان عند 7.9% في العام السابق. كما لم يسلم قطاع الصناعات الاستخراجية من التباطؤ، إذ سجل معدل نمو بـ10.9% مقابل 20% في فترة المقارنة.
على صعيد آخر، قاد التوسع القوي للطلب الداخلي (+9.2%)، وخاصة عبر ارتفاع تكوين الاستثمار (+18.9%)، إلى دعم النمو الاقتصادي، غير أن ذلك تم على حساب التوازن الخارجي، مما عمّق العجز التجاري وضغط على الحسابات الخارجية للمملكة.
أما بخصوص الأسعار، فرغم أن المستوى العام شهد تباطؤاً إلى 2.3% بعد أن كان 3.9%، فإن هذه الظاهرة لا تعكس بالضرورة تحسناً في القدرة الشرائية، بل ترتبط بتغيرات هيكلية في العرض والطلب، تحمل بدورها مخاطر على التوازن الكلي للاقتصاد.
في المجمل، تؤكد هذه المعطيات الرسمية أن الاقتصاد المغربي يسجّل نسب نمو إيجابية من حيث الشكل، لكنها مهددة من الداخل بتراكم العجز الخارجي وتراجع بعض القطاعات الاجتماعية والإنتاجية، الأمر الذي يستدعي مقاربة أكثر شمولية لتحقيق نمو متوازن ومستدام.








تعليقات
0