المشهد السياسي المغربي بين تغول الأغلبية وصمود المعارضة

jawad الأحد 5 أكتوبر 2025 - 09:32 l عدد الزيارات : 151640

يضم المشهد السياسي المغربي رسميا أكثر من ثلاثين حزبا سياسيا معترفا بها من طرف وزارة الداخلية، إلا أن الواقع يبين أن جزءا كبيرا منها لا وجود فعلي له على الأرض، ولا أثر له في النقاش العمومي أو في وجدان المواطن.
هي أحزاب توجد فقط في الملفات الرسمية، دون مؤتمرات أو أنشطة تنظيمية أو حضور انتخابي يذكر، وتكتفي في الغالب بتجديد تراخيصها القانونية واستلام دعم رمزي من الدولة، في الوقت الذي لا يعرف المواطن حتى أسماءها أو قياداتها.
هذه الكيانات التي يمكن وصفها بـ”الأحزاب الورقية” أصبحت عبئا على المشهد السياسي، إذ لا تقدم أي إضافة نوعية، ولا تسهم في تأطير المواطنين أو تطوير الممارسة الديمقراطية.

في المقابل، هناك عدد محدود من الأحزاب التي تشكل فعلا نبض الحياة السياسية في المغرب، إذ تتوزع بين الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان. فحاليا، يتكون مجلس النواب من ثمانية أحزاب ممثلة، وهي: التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الحركة الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية، العدالة والتنمية، الاتحاد الدستوري.
هذه التنظيمات، رغم اختلاف توجهاتها، تبقى هي المحرك الحقيقي للحياة السياسية والمؤسساتية، وهي التي تتحمل مسؤولية صياغة القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، والمشاركة في النقاش العمومي.

أحزاب الأغلبية الثلاثة، وهي التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، تهيمن اليوم على المشهد التنفيذي والتشريعي، لكنها تواجه اتهامات متزايدة بـ”التغول”، أي السعي إلى السيطرة الكاملة على المجال السياسي، وإقصاء باقي الأحزاب من المشهد. هذا التغول يتجلى في تضييق المساحات على المعارضة داخل البرلمان، ورفض التفاعل الجدي مع مقترحاتها وأسئلتها الرقابية، رغم أن الدستور المغربي يمنحها هذا الحق بوضوح. بل إن الحكومة كثيرا ما تتجاهل المبادرات البرلمانية الصادرة عن المعارضة، مما يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها التشاركي.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن عددا من أحزاب المعارضة يشتغل بجد، ويقدم مقترحات عملية وحلولا واقعية، سواء عبر النقاش البرلماني أو في الميدان.
فـالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مثلا، استعاد خلال السنوات الأخيرة حيويته التنظيمية والفكرية، وعقد مؤتمرات وهيكلة جديدة لأجهزته استعدادا للاستحقاقات المقبلة، موازاة مع دوره البارز في الدبلوماسية الموازية للدفاع عن القضية الوطنية الأولى، الصحراء المغربية، من خلال حضوره النشط في المنتديات و المؤتمرات المحافل الدولية وإقناعه لأحزاب أجنبية بعدالة الموقف المغربي.

إلى جانبه، يواصل حزب التقدم والاشتراكية أداء دور معارضة متوازنة، تجمع بين النقد المسؤول وتقديم البدائل، فيما يسعى حزب العدالة والتنمية إلى إعادة بناء مكانته السياسية بعد هزيمته الانتخابية الأخيرة، مستفيدا من رصيده التنظيمي، ومن حضوره في النقابات والجمعيات المدنية.
أما الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، فهما وإن كانا من مكونات الأغلبية، إلا أنهما يحتفظان بنوع من الاستقلالية التنظيمية، ويملكان امتدادا جهويا واسعا في المناطق القروية والجبلية، مما يجعلهما أكثر قربا من المواطنين في الوسط غير الحضري.

في الجهة المقابلة، تظل عشرات الأحزاب الأخرى حبيسة المكاتب المركزية، دون أن يسمع عنها المواطن شيئا.
لا فروع جهوية، لا برامج، ولا مؤتمرات تنظيمية. وبعضها لم يقدم أي مرشح منذ سنوات، ومع ذلك يظل مسجلا في اللوائح الرسمية، وكأنه مجرد رقم في قاعدة بيانات وزارة الداخلية. هذه الظاهرة تفرغ التعددية السياسية من معناها، وتحولها إلى ديكور شكلي لا علاقة له بالفعل الديمقراطي الحقيقي.

إضافة إلى ذلك، طفت في الانتخابات الأخيرة اتهامات باستعمال إمكانيات الدولة من طرف بعض أحزاب الأغلبية، سواء عبر النفوذ الإداري أو عبر شركات خاصة ترتبط بعلاقات مع وزارات ومؤسسات حكومية، تم توظيفها بشكل مباشر أو غير مباشر لدعم الحملات الانتخابية. هذا الاستغلال للموارد العمومية يشكل خرقا واضحا لمبدأ تكافؤ الفرص، ويسيء لصورة التنافس السياسي النزيه، كما يزرع مزيدا من انعدام الثقة بين المواطن والعملية الانتخابية.

ورغم كل هذه الاختلالات، فإن هناك أحزاباً جادة تشتغل في الميدان بعيدا عن الأضواء، تنظم لقاءات، وتعد تقارير واقتراحات، وتساهم في النقاش العمومي والبرلماني، غير أن صوتها يحاصر وسط ضجيج المال والإعلام، وهيمنة الأحزاب الكبرى على الفضاء العمومي. لذلك، فإن المشكل لا يكمن في ضعف المعارضة أو غياب الأحزاب الجادة، بل في غياب إرادة سياسية حقيقية لتكريس توازن المشهد وضمان الشفافية وتكافؤ الشروط السياسية والمالية بين مختلف الفاعلين.

المغرب اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف العمل السياسي من جديد، على أساس المسؤولية والمحاسبة والتعددية الحقيقية، لا على أساس الولاء والهيمنة. فالتغوّل لا يبني ديمقراطية، والهيمنة لا تخلق ثقة. وحدها التعددية الفعلية، والاحترام المتبادل بين الحكومة والمعارضة، يمكن أن يعيدا للسياسة معناها، وللمواطن إيمانه بأن صوته يمكن أن يصنع التغيير.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image