ليلى شهيد، التي ودعتنا ليلة أول أمس في فرنسا، غادرتنا عن عمر يناهز … مأساة فلسطين، لأن عمرها كان عمر الحزن الفلسطيني المزمن، وألمها كان بسنّ الرحيل عن فلسطين، مع كل حروبها وفواجعها وندوب الدهر التي أدْمت شعبًا عريق الآلام.
أشعر، كمثل غيري من المغاربة الذين تابعوا حياتها، أنها كانت مغربية كاملة الانتماء، ليس فقط لأنها عاشت عقدا من الزمن من عمرها الحر المرير في المغرب، عندما انتقلت للعيش في بلادنا ابتداء من 1977، وليس لأنها تزوجت بأحد أكبر المثقفين التقدميين والمجددين في الحقل الإبداعي المغربي، أستاذ الأجيال محمد برادة، ولا لأنها عبرت الزمن المغربي في لحظات توهج صاخبة والتقت بأعلام السياسة والأدب والأكاديمية والالتزام الوطني في عيشها اليومي وفي التزامها الوطني، بل أيضا لأن ليلى شهيد كانت من الوجوه التي تملأ الفضاء المغربي والعربي والفضاء الخارجي القريب منا.
قالت عنها الصحافة الدولية إنها كانت وجه فلسطين في أوروبا، وقد تعددت مراياه عبر المؤسسات والعواصم، وفي ذلك تقول سيرتها المتداولة في وكالات الأنباء إن شهيد كانت أول امرأة تمثل منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج، وبهذه الأسبقية تولت المهام الديبلوماسية وعمرها أربعون سنة، في إيرلندا سنة 1989، ثم هولندا والدنمارك، قبل أن تصبح المندوبة العامة لفلسطين في فرنسا بين 1993 و2006، ثم على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى حدود 2015.
في سيرتها، هذه الكثافة التي لا تُضاهى لامرأة لم تولد لكي تكون عادية، وهي تعيش قصة شعب غير عاد، بل امرأة وجدت لتعيش تمزقات البطلات المبْهرات، اللواتي يتمزق وجودهن بين حلم حياة عادية والتزام قدري، كان يحثها على تغيير العالم كله …ليعيش شعبها.
ولدت بعد سنة من قيام دولة إسرائيل، الكيان الذي رمى بها في المنافي والمآسي والمجازر … وبعيدا عن أرض فلسطين الكنعانية المجيدة.
دخلت السياسة كما يدخلها الثوار، أي في سن 18 سنة، ومن لم تكن ثوريةً في هذه السن لن تكون أبدا كما تعلمت من أئمة الثورة.. وكما تعلمت من عائلتها المقدسية، التي طُردت من العاصمة السماوية للديانات الثلاث، بسبب نشاطها القومي. من هاته العائلة تعلمت الرفض والثورة والفهم العميق للسلالة المقاتلة، كما هو حال والد جدتها رئيس بلدية القدس، وخال والدتها الذي عرف بنضاله الشرس ضد السياسة البريطانية، وهو الذي كان قدوتها في شبابها.
وفي نفس العمر، 20 سنة، ستتعرف على أبرز وجه في الثورة، ياسر عرفات، الذي التقته في الأردن سنة 1969، وظلت مرتبطة به، ومعجبة بثوريته الواقعية وصوفيَّته الفلسطينية مثل كوفية…
في سيرتها سيرة الكفاح الديبلوماسي والفكري والإعلامي، وسيرة المخيم والجامعة والمدرسة والمجلة والزعتر.
تقاطعت في كيانها كل أسباب التشاؤم وكل مسوغات الألم وكل مقومات التفاؤل الذي سكن دمها، وكل مسببات المغص الحضاري الذي أصيبت به الشعوب من الخليج إلى المحيط…
لم تكن ثوريتها تصل بها إلى ضفاف اليأس المطلق، ولو عاركت التشاؤم بعد ما وقع يوم 7 أكتوبر، ولا كانت تدفعها إلى البحث عن القطيعة مع العقل. اشتغلت مع المفكرين، مثل درويش وإلياس صنبر وغيرهما في “مجلة الدراسات الفلسطينية”، ونسجت صداقات مع إسرائيليين من دعاة السلام… في مصافحة سلام واحدة…
لم يكن تل الزعتر جرحا شعريا عند درويش وحده بل كان منعطفا عاطفيا وفكريا ونضاليا عندها أيضا، حين أدركت بعد المجزرة في سنة 1976، ضد اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، أن النشاط الأكاديمي لم يعد أولوية بالنسبة لها…
كانت واحدة من سكان المجزرة، اللواتي استجبن إلى نداء الشاعر المفجوع “تعالي ننتمي للمجزرة. ”
من تل الزعتر بدأت رحلتها إلى العالم…
ومنذ عرفناها صرنا نبحث عنها في روايات الكاتب محمد برادة، وفي لعبة النسيان
وفي الرسائل إلى ليلى …
كانت تقيم في المسافة الملغومة بين البحث عن وضع إنساني عاد وبين سيكولوجيا الفجيعة المرتبطة بالأبطال الوجوديين لشعب لا بد منه لتكون هي أيضا، ومرارا لم تخف تمزقها كما عبرت عن ذلك في حديث لوكالة فرانس بريس “حالة تمزق دائم بين انتمائي للشعب ..الفلسطيني.. والحاجة إلى النضال معه… والرغبة في حياة عادية هانئة”.
رحيل ليلى شهيد، وهي في حالة فجيعة متقدمة، لا يمكن فصله عن سيرة الآلام في وجودها العام، من خلال شعبها، وفي وجودها الخاص من خلال آثار الجريمة عليها…
ولا يمكن فصله عن الإبادة التي أعقبت يوم 7 أكتوبر. رفعت الراية من أجل حماية الشعب الفلسطيني في غزة، وصرخت في وجه عالمٍ كان يعب السردية الإسرائيلية بعطش عقائدي رهيب….
وطالما تجرعت مرارة ما يعدها به المستقبل وعواصفه،
ذلك الجسد الرهيف والروح المتحققة، لم يسلما من رعب المجزرة…
ليلى لم تملك القرار الأخير في حياتها، بسبب الانهيار الجسدي والنفسي الذي داهمها في عقدها السابع، ولكنها حافظت لنفسها على القرار الأول في رحيلها…
تعازينا للكاتب الكبير محمد برادة ولكل الأهل في فلسطين وفي المغرب.








تعليقات
0