تضارب المصالح و ممتلكات المدينة بين النص القانوني و واقع النفوذ

jawad السبت 11 أكتوبر 2025 - 17:15 l عدد الزيارات : 79635

 

منذ سنوات، ظل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة حجر الزاوية في المشروع الإصلاحي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس، باعتباره شرطًا جوهريًا لبناء الثقة في المؤسسات وضمان العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين المواطنين. إلا أن الممارسة اليومية، على مستوى تدبير الشأن العام المحلي والوطني، تكشف عن اتساع الهوة بين ما تقره القوانين وما يمارس فعليا على الأرض.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه القوانين المغربية على منع تضارب المصالح، سواء تعلق الأمر بأعضاء الحكومة أو البرلمانيين أو المنتخبين المحليين، ما تزال بعض الوقائع تثير علامات استفهام كبرى حول حدود الالتزام بهذه النصوص، ومدى قدرة المؤسسات الرقابية على فرض احترامها.
فالقانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، ينصّ في مادته 36 صراحة على منع أعضاء الحكومة من القيام بأي عمل أو نشاط خاص يدر عليهم ربحًا ماديا أثناء تقلدهم لمسؤولياتهم. كما يلزمهم القانون بالتصريح بممتلكاتهم تفاديا لأي شبهة تضارب مصالح. أما القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية (113.14 و111.14 و112.14)، فيؤكد بدوره على المنع الصارم لأي تعامل تجاري مباشر أو غير مباشر بين المنتخبين ومؤسسات الجماعة التي يسيرونها.

لكن واقع الحال يكشف عن تداخل المصالح الشخصية بالمصالح العامة في أكثر من ملف.
أبرز مثال على ذلك ما أثير حول صفقات عمومية حساسة، خصوصا تلك المتعلقة بقطاع الماء والأوكسجين والتجهيزات الطبية، والتي تم إنجازها لفائدة شركات تابعة لمقربين من بعض المسؤولين العموميين، في وقت كان أحد المسؤولين الموقعين على تلك الصفقات قد شغل سابقا منصب مدير بإحدى هذه الشركات. هذه الحالة تطرح سؤالا جوهريا حول مدى احترام مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الصفقات العمومية، الذي ينظمه مرسوم الصفقات العمومية رقم 2.22.431، والذي يمنع مشاركة أي جهة لها علاقة بمعد أو صاحب القرار في دفتر التحملات.

كما تتسع دائرة تضارب المصالح لتشمل أيضا بعض المنتخبين المحليين الذين يملكون مشاريع ومنتجعات ومسابح مطلة على البحر، تم مؤخرا اتخاذ قرارات بهدمها، مثل حالة برادايس وعدد من المسابح بشاطئ عين الذئاب، دون أن يتضح بعد إن كان القرار يطال الجميع بالمنطق ذاته، أم أنه انتقائي بحسب الانتماء السياسي والمصلحي.
ويطرح كذلك ملف السقالة التاريخية بالدار البيضاء، التي صدرت بشأنها أحكام قضائية نهائية تلزم بإخلائها أو إعادة تنظيمها، لكن هذه الأحكام بقيت معلقة بفعل ما يمكن وصفه بـ”السكوت الإداري السلبي”، الذي يتحول عمليا إلى تعطيلٍ لمقررات قضائية، وحرمان لخزينة الدولة من مداخيل مهمة، إرضاء لنزوات أغلبية متغولة تضع الولاءات السياسية فوق سيادة القانون.

ويزداد المشهد تعقيدا حين نعلم أن المجالس المنتخبة الثلاث بمدينة الدار البيضاء (الجهة، مجلس العمالة، ومجلس المدينة) تخضع في الغالب لنفس التحالف الحزبي الثلاثي المكون للحكومة، ما يجعل الرقابة الداخلية والتدبير المالي رهينا لتوازنات سياسية أكثر منه التزاما مؤسساتيا، ويغذي ظاهرة التستر على بعض المستفيدين من ممتلكات جماعية، تستغل لأغراض خاصة خارج كل شفافية.

أمام هذه الوقائع، يصبح التساؤل مشروعا:
هل نحن أمام خلل في النصوص القانونية، أم في الإرادة السياسية لتفعيلها؟
القوانين موجودة وواضحة، لكن غياب التطبيق الصارم، والتواطؤ بالصمت أو التجاهل، هو ما يجعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة شعارا يرفع أكثر مما يفعل.

ولذلك، فإن المسؤولية اليوم تقع على رئيسة جماعة الدار البيضاء ووالي الجهة وعامل عمالة مقاطعة أنفا، في ضرورة تفعيل المراقبة الإدارية والمالية على كل الملفات العالقة، واستحضار الخطاب الملكي الأخير الذي دعا فيه جلالة الملك إلى تحقيق العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد، ورفض أي شكل من أشكال احتكار الثروة أو المشاريع العمومية من طرف فئة محدودة، تحت غطاء سياسي أو إداري.

إن العدالة المجالية التي نادى بها الملك ليست شعارًا، بل هي رؤية إصلاحية تحمل كل مسؤول في موقعه واجبا أخلاقيا وقانونيا في الدفاع عن المصلحة العامة ضد كل أشكال تضارب المصالح واستغلال النفوذ.
ومن دون إرادة حقيقية في المحاسبة الشفافة، ستظل النصوص القانونية مجرد حبر على ورق، وستبقى الثقة بين المواطن والدولة رهينة بجرأة الفاعلين في مواجهة الفساد والمحاباة، لا بالتغاضي عنها.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image