في وثيقة سياسية مطولة تعكس لحظة تقييم ومساءلة داخلية، قدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تقريره الأدبي أمام مؤتمره الوطني الثاني عشر، مستعرضا خمس سنوات من العمل الحزبي والسياسي والدبلوماسي في سياقات داخلية ودولية متحولة، وموجها رسائل قوية إلى الحكومة والرأي العام وإلى قواعده التنظيمية.
التقرير اعتبر أن الحزب أوفى بالتزاماته التي صادق عليها المؤتمر الوطني الحادي عشر، بفضل تعبئة تنظيمية ومؤسساتية متواصلة، وبفضل انخراط أجهزته الجهوية والإقليمية والقطاعية في تعزيز الحضور الحزبي وتأطير المواطنات والمواطنين في مختلف الجهات. لكنه، في الوقت نفسه، حمل رؤية نقدية واضحة للوضع العام، محذرا من اختلالات في الأداء الحكومي ومن مخاطر سياسية واجتماعية تهدد التوازن المؤسساتي والديمقراطي بالمغرب.
فعلى المستوى الوطني، أبرز التقرير أن الاتحاد الاشتراكي ظل في طليعة القوى الوطنية المدافعة عن الوحدة الترابية، مشيدا بالمكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، والتي أفضت إلى اعترافات متزايدة بمغربية الصحراء، ودعما متناميا لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا ومنسجما مع الشرعية الدولية. كما توقف عند الجهود الملكية في دعم القضية الفلسطينية والدفاع عن القدس، مؤكدا أن المغرب ظل نموذجا في التوازن بين الموقف الإنساني والمبدأ الثابت في نصرة الحق الفلسطيني.
أما على الصعيد السياسي الداخلي، فقد وجه التقرير انتقادات حادة للحكومة الحالية، معتبرا أنها أضعفت دور المؤسسات المنتخبة عبر تغوّلها السياسي، وفشلت في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أنهكت فئات واسعة من المغاربة، من غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، إلى تعثر مشاريع الحماية الاجتماعية، وتباطؤ تنفيذ البرامج المائية والطاقية. ودعا الحزب إلى إعادة التوازن بين السلط، وإحداث وكالة مستقلة لتدبير الدعم الاجتماعي، بعيدا عن الهيمنة الحزبية، حفاظا على الشفافية والمساواة بين المواطنين.
كما أكد التقرير أن الاتحاد الاشتراكي، من موقعه في المعارضة، يواصل أداء دوره الرقابي والتشريعي بمسؤولية وبمنطق البناء لا العرقلة، متمسكا بمقاربة اجتماعية واقعية قوامها العدالة والمساواة والكرامة. وشدد على أن التنمية لا يمكن أن تتحقق من دون ديمقراطية حقيقية ومؤسسات قوية، معتبرا أن الرهان على العدالة الاجتماعية و المجالية هو الامتحان الحقيقي لأي سياسة عمومية ناجعة.
في الشق المجتمعي، عبر الحزب عن اعتزازه بالورش الملكي المتعلق بمراجعة مدونة الأسرة، مؤكداً أن الاتحاد الاشتراكي كان ولا يزال في طليعة المدافعين عن حقوق النساء، وعن إنصاف الأسرة والطفل، وداعيا إلى مراجعة شجاعة تراعي التحولات الاجتماعية والحقوقية وتؤسس لمساواة فعلية بين المواطنين والمواطنات. كما أشاد بمبادرات جلالة الملك في مجالي الماء والطاقة المتجددة، باعتبارهما مشاريع استراتيجية لضمان الأمن المائي والسيادة الطاقية، منتقدا بطء الحكومة في تنزيل هذه التوجيهات الملكية.
ولم يغفل التقرير البعد الثقافي والنقابي، مبرزا أن الإصلاح السياسي لا يكتمل دون إصلاح ثقافي يحرر العقول من النزعات المحافظة و الريعية، داعيا إلى استعادة المبادرة الفكرية والرمزية في مواجهة الخطابات الانغلاقية. كما اعتبر أن استرجاع المبادرة النقابية يشكل اليوم ضرورة ديمقراطية لاستعادة التوازن الاجتماعي في ظل هشاشة سوق الشغل واتساع الفوارق.
وبين تقييم التجربة ودعوة الإصلاح، رسم التقرير الأدبي ملامح اتحاد اشتراكي يسعى إلى تجديد نفسه فكريا وتنظيميا، دون أن يتخلى عن روحه الأصلية كقوة اشتراكية ديمقراطية تتفاعل مع التحولات، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فهو حزب يرفض الانغلاق، ويقاوم الهيمنة، ويناصر القضايا الوطنية والاجتماعية بوضوح وشجاعة، في امتداد لمسار بدأه قادته التاريخيون، ويستمر اليوم بإصرار في الدفاع عن الديمقراطية كاختيار لا رجعة فيه.








تعليقات
0