أعتقد أن أهم قرار تم الإعلان عنه في سياق الضبط الإعلامي وتنظيم القطاع هو تفعيل الحقوق المعنوية للصحفيين، وربطها بغلاف مالي مؤطر عبر منظومة حقوق المؤلف.
برأيي، فهذا إعلان ضمني بأن المقال لم يعد نصًا عابرًا في فضاء رقمي مفتوح، بل ملكية فكرية لها قيمة قابلة للاحتساب، وأصلًا معنويًا واقتصاديًا ينبغي صونه.
لسنوات، عاشت الصحافة الرقمية في مفارقة مربكة. تسلل إلى الميدان من لا يؤمن بقواعده، فاسترزق بعضهم من مقالات زملاء قضوا وقتًا وجهدًا في إنتاج مادة صحفية مكتملة الأركان. كانت العملية تتم ببساطة مقلقة: نشرٌ في موقع، ثم نسخٌ فوري، فإعادة نشر بتقنية “كوبي كولي”، أحيانًا دون إحالة، وأحيانًا مع تصرف يمس جوهر النص.
أقولها بكل مسؤولية: انتفضنا غير ما مرة أمام هذه السلوكات، وسجلنا احتجاجنا، وضبطنا مقالاتنا وقد نُسخت وأعيد نشرها في مواقع أخرى، بل وتعرض بعضها لتحوير دون إذن أو إحالة. ومع ذلك، ظل الصدى ضعيفًا، وبقيت الشكاوى تدور في حلقة مفرغة.
طالبنا بالجودة، واشتَكينا من ضعف الموارد، وفي الوقت نفسه رفعنا الراية البيضاء في مواجهة “أبطال كوبي كولي”، حتى كدنا نتعايش مع الظاهرة وكأنها جزء من المشهد الإعلامي المغربي.
مقالات تُنسخ، عناوين تُعاد صياغتها على عجل، محتوى يُستثمر دون سند قانوني، الخاسر الأول هنا، الصحفي الذي يُسلب جهده وينسب لغيره، ثم المؤسسة التي تفقد تميزها، وأخيرًا القارئ الذي يُغذّى بنسخ متكررة لا تضيف معرفة ولا تصنع قيمة.
حين يُعترف قانونيًا بأن للمقال حقًا معنويًا وماليًا، تتغير المعادلة. النص يصبح أصلًا فكريًا محميًا، وأي استغلال خارج الضوابط يتحول من مجرد تجاوز مهني إلى مسؤولية قانونية. هذا التحول، إذا طُبق بصرامة، يمكن أن يضع حدًا لثقافة الاستسهال التي أضعفت صورة الإعلام وأربكت سوقه.
غير أن المسألة لا تُختزل في القانون وحده. المعركة الحقيقية أخلاقية ومهنية في المقام الأول. لا يمكن لقطاع أن يطالب بالدعم العمومي والاعتراف المؤسسي، وهو يتساهل داخليًا مع انتهاك حقوق بعضه البعض. احترام حق المؤلف يبدأ من داخل غرف التحرير، قبل أن يصل إلى أروقة المحاكم.
كما أن حماية الحقوق لا تعني إغلاق المجال أمام التداول المهني المشروع. الاقتباس المنظم، والإحالة الواضحة، والشراكات التحريرية، كلها ممارسات سليمة تعزز التفاعل المهني ولا تنتقص من الحقوق. الفرق واضح بين التفاعل المشروع والسطو المقنّع.
الرهان اليوم ليس فقط توزيع اعتمادات مالية أو تنظيم التحصيل، بل إعادة ترسيخ فكرة بسيطة: المقال ليس سلعة سائبة في الفضاء الرقمي. هو جهد، وزمن، ومصداقية، وهو أيضًا قيمة اقتصادية في سوق إعلامي يفترض أن يقوم على التنافس الشريف لا على النسخ المجاني.
إن لم تتحول هذه الخطوة إلى ثقافة يومية داخل المؤسسات، فستبقى مجرد بند قانوني إضافي. أما إذا اقترنت بوعي مهني، وآليات تتبع فعالة، ومحاسبة حقيقية، فقد نشهد بداية تراجع زمن “كوبي كولي”، وبداية مرحلة يُقاس فيها احترام المهنة بمدى احترام إنتاجها.
أقولها وعلى مسؤوليتي، لا اقتصاد للمحتوى دون حماية للملكية، ولا هيبة للكلمة إن ظلت مستباحة. وعندما تصبح السرقة مكلفة، حسابيًا وقانونيًا، سيتعلم الجميع أن الإبداع أقل كلفة من النسخ، وأن المصداقية أصل لا يُعوَّض.








تعليقات
0