خرج مئات آلاف المغاربة إلى الشوارع والساحات من طنجة إلى الكويرة، في الساعات الأولى من صبيحة الاثنين، احتفاءً بتتويج المنتخب الوطني لأقل من عشرين سنة بطلاً للعالم في الشيلي مشهد لم تصنعه لا دعاية ولا الغرف المظلمة للمواقع المشبوهة، بل نُحت بإرادة جماعية من شعبٍ قرّر أن يفرح، وأن يرفع راية بلده عالياً في لحظة تختزل فخراً وطنياً نادراً، ووعياً سياسياً واجتماعياً عميقاً.
الخروج العفوي وبهذه الأعداد، كان رداً حضارياً على كل ما حاول أن يربك الثقة الوطنية في الأسابيع الأخيرة: من حملات التشكيك التي تطال المؤسسات، إلى أبواق التيئيس التي تقتات من الأزمات وتروّج للعدمية.
لقد قال المغاربة كلمتهم بالفعل لا بالقول: نحن بلد حيّ، يتنفس بالأمل، ويؤمن بقدرته على الانتصار رغم كل الصعوبات، نفرح ونحتج بسلوك حضاري ضمن المؤسسات لا خارجها ولسنا حطبا ولا قطيعا..
فبينما تمر البلاد بمرحلة دقيقة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية — ارتفاع الأسعار، نقاشات حول العدالة الجبائية، قضايا التشغيل والتعليم والصحة، واستعداد لموسم سياسي جديد كما برز في محطة المؤتمر الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي وما حملته من دعوات للإصلاح والعدالة الاجتماعية — يخرج المغاربة إلى الشوارع ليقولوا بلغة بسيطة: نحن جزء من هذا الوطن، نختلف ونتناقش، لكننا نلتف حول رموزنا حين ترفرف الراية فوق العالم.
من يراقب المشهد المغربي يدرك تماما أن هذا الشعب لا يحتاج إلى وصاية من الغرف المظلمة، ولا إلى من يفسّر له معنى الوطنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هو يعرف جيداً متى يفرح ويحتج بمسؤولية .
يعرف أن راية بلده هي ظلّه في العالم، وأن الانتصار المغربي، كيفما كان مجاله، هو انتصار لكل بيت مغربي ولكل قلب.
في لحظات الغضب كما في لحظات النشوة، ظل هذا الشعب وفيّاً لوطنه، يرفع صوته حين يشعر بالظلم، ويهتف بحبّ حين يلمس المجد.
لقد كشفت احتفالات التتويج عن معدن المغاربة الحقيقي: وعيٌ جماعي، وسلوكٌ حضاري، وإيمانٌ ببلدٍ لا يتراجع أمام العثرات، أما خفافيش الظلام، التي لا ترى في الضوء سوى تهديدٍ لوجودها، فقد وجدت نفسها هذه المرة بلا جمهور، بلا صدى.
انكشفت شعاراتها الزائفة أمام هدير شعبٍ اختار أن يحتفل بالمستقبل بدل اجترار الخيبات. لقد تهاوت سرديات الكراهية والتبخيس تحت وقع هتافات «المغرب، المغرب»، وتوحّدت القلوب خلف رايةٍ ترمز إلى السيادة والوحدة والأمل.
المغرب اليوم يعلن عن ميلاد ثقة جديدة. ثقة في الشباب الذي صنع المجد، وثقة في الذات الوطنية التي أثبتت قدرتها على تجاوز الأزمات. هذه اللحظة يجب أن تُقرأ سياسياً بقدر ما تُحتفى بها وجدانياً. لأنها تذكّرنا أن الاستثمار الحقيقي في البنية التحتية وأيضا في الإنسان المغربي الذي ينهض كل مرة من رماد الشكّ أقوى وأجمل.
الفرح الجماعي الذي غمر التراب الوطني هو، في عمقه، فعل مقاومة مدنية ضد الإحباط. هو إعلان أن المغاربة يملكون مناعة ضد التطرّف واليأس، وأنهم يعرفون متى يفرحون ومتى يغضبون ومتى يبنون. أما الذين يصرّون على العيش في الظلام، فقد صاروا اليوم مجرّد ظلال على هامش نهارٍ وطنيٍ مشرقٍ عنوانه: المغرب ينتصر لنفسه قبل كل شيء.








تعليقات
0