القضاء في المغرب بحاجة إلى حماية مزدوجة: حماية استقلاله من التدخلات، وحماية سمعته من التضليل. وبين الحالتين، لا بد من خطاب رسمي واضح يضع النقاط على الحروف، لأن الشفافية الحقيقية لا تهزّ القضاء، بل تُقوّيه.
المغاربة لا يريدون عناوين مثيرة، بل وضوحاً مؤسسياً يُعيد الثقة في مؤسساتهم. فحين تُنشر المعلومة من مصدرها، تنتفي الحاجة إلى الإشاعة. أما حين يُترك الفراغ، فإن أول من يملؤه — كالعادة — هو الغموض.
فما إن يتردّد في الصحف عنوان من قبيل «ثروات 21 قاضياً تحت المراقبة» حتى تهتزّ سكينة الرأي العام، ويتسابق الناس بين مصدّق ومشكّك، وبين من يرى في ذلك دليلاً على يقظة الرقابة ومن يعتبره مجرّد تسريب لتغذية الشكوك وماخفي كان أعظم. لكن الحقيقة، كما جرت العادة في مثل هذه القضايا الحسّاسة، تتموقع بين الخبر والتأويل.
رسميا، لم يصدر عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية أي بيان يتضمن أرقاماً أو تفاصيل عن أسماء أو تحقيقات تتعلق بتضخم الثروات. كل ما هو موثق حتى الآن في الجريدة الرسمية لا يتجاوز التقارير السنوية التي تؤكد أن المفتشية العامة للشؤون القضائية تواصل مهامها في مراقبة سير العدالة، وتتبع سلوك القضاة، والتصدي للإخلالات المهنية والسلوكية، دون ذكرٍ لأي متابعات مالية أو عدد محدد من القضاة.
لكن اللافت في التقرير الأخير للمجلس، المنشور بالجريدة الرسمية، هو أنه يعلن عن «انتهاج مقاربة تواصلية أكثر انفتاحاً، من خلال نشر خلاصات أعماله وتقاريره التأديبية وتوصياته على موقعه الرسمي». وهي خطوة تعكس توجهاً إيجابياً نحو الشفافية، لكنها ما زالت — في الواقع — تبدو أقرب إلى وعد مؤسساتي منها إلى ممارسة مكتملة الأركان. فالموقع الرسمي للمجلس (www.cspj.ma
) يتضمن فعلاً تقارير وبلاغات عامة، لكنه لا ينشر بعد التفاصيل الدقيقة للقرارات التأديبية أو خلاصات التحقيقات، احتراماً لمبدأ السرّية من جهة، وربما تردداً مؤسساتياً في الانفتاح الكامل من جهة أخرى.
وهنا تطرح الإشكالية الكبرى: كيف يمكن التوفيق بين سرّية المساطر القضائية وحق المجتمع في المعلومة؟ وكيف نحمي القضاة من التشهير دون أن نحجب عن المواطنين معطيات جوهرية حول نزاهة العدالة؟








تعليقات
0