أحيت ساكنة واحة فجيج الذكرى الثانية لـ”انتفاضة الماء”، الحراك الاجتماعي الذي اندلع في نونبر 2023 رفضًا لقرار المجلس الجماعي الانضمام إلى مجموعة الجماعات “الشرق للتوزيع”، في خطوة فُهمت محليًا كتمهيد لتفويت تدبير مرفق الماء لشركة جهوية متعددة الخدمات.
منذ ذاك القرار، لم تهدأ الأصوات المطالبة بحماية الماء من منطق الخوصصة، لأن الواحة تعرف أكثر من أي مكان آخر أن الماء ليس مجرد سلعة، بل هو الذاكرة التي تربط الإنسان بأرضه، والحياة التي تحفظ توازنها الاجتماعي والبيئي. لهذا السبب، حين خرجت النساء لأول مرة في مسيرة جماعية وهن متشحات بالحايك الأبيض، بدا المشهد كأنه فصل من تاريخٍ يعيد نفسه. كان الحايك، ذلك الرداء التقليدي الذي حملته الجدّات في أعراس الواحة ومواسمها، يتحوّل إلى راية احتجاج صامتة تُعبّر عن نقاء المطلب وعدالة القضية.
تقدّمت النساء المسيرة بخطوات ثابتة وشعارات هادئة: “الماء حياتنا، والواحة ليست للبيع”، فيما اصطف الرجال والشباب خلفهن حاملين لافتات تدعو إلى احترام إرادة الساكنة ووقف “القرارات المفروضة من فوق”. الصورة التي وثقتها عدسات الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي تجاوزت حدود فجيج، لتصبح رمزًا للكرامة والسلمية في الدفاع عن الحق في الحياة.
وفي الذكرى الثانية لهذا الحراك، جددت الساكنة الموعد مع الاحتجاج بطريقتها الخاصة، حيث انطلقت مسيرة رمزية بالدراجات النارية جابت شوارع المدينة القديمة والجديدة، في مشهد يُوحّد الأجيال على مطلب واحد: رفض خوصصة الماء واستعادة القرار المحلي. ارتدى المشاركون قمصانًا بيضاء، وحملوا الرايات الوطنية، مؤكدين أن المعركة ليست ضد الدولة، بل من أجل شراكة حقيقية تعترف بخصوصية فجيج وحقها في تقرير مصير مواردها الطبيعية.
التنسيقية المحلية لـ”حراك الماء” اعتبرت أن مرور عامين على هذه الانتفاضة الشعبية يُجسّد “ثبات الساكنة على مبدأ السيادة على مواردها”، مشيرة إلى أن كل أشكال الحوار السابقة لم تسفر عن أي حل ملموس، وأن المعركة لا تزال مفتوحة “حتى يُعاد الاعتبار للمواطن كفاعل في القرار لا كموضوع له”.
الحراك، الذي بدأ بمطلب محلي، اكتسب بعدًا وطنيًا، إذ عبرت جمعيات حقوقية ونقابات ومنتخبون عن تضامنهم مع الساكنة، معتبرين أن قضية فجيج تختصر جدلًا أوسع حول حدود تفويض المرافق العمومية الحيوية، وضرورة حماية الموارد الطبيعية من منطق السوق والمصالح الضيقة.
اليوم، بعد عامين من الصمود، تكتب فجيج فصلًا جديدًا في تاريخها النضالي. حراكها الهادئ، النسائي والرجولي معًا، أعاد إلى الواجهة قيمة الماء كمجال للانتماء لا للتجارة، وأثبت أن الدفاع عن الحق في الحياة يمكن أن يكون أبيض اللون، صامتًا، لكنه شديد الوضوح.
فالواحة التي قاومت قسوة الطبيعة لعقود، تواصل اليوم مقاومتها من أجل كرامة أبنائها، لتقول من جديد: الماء حياة… والحياة لا تُفَوَّت








تعليقات
0