التوزيع الجهوي للاستثمار العمومي 2025.. تركّز مالي مرتفع وفوارق مجالية تعيد طرح سؤال العدالة الترابية

rawi السبت 1 نوفمبر 2025 - 21:10 l عدد الزيارات : 63283

محمد المنتصر

تُظهر مذكرة التوزيع الجهوي للاستثمار العمومي المرافِقة لمشروع قانون المالية لسنة 2025 أنّ الغلاف الإجمالي المبرمج يصل إلى 340 مليار درهم، مع استمرار اعتماد قوي على استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية، وتمويلات الصناديق، مقابل حيز أقل نسبيا للميزانية العامة. هذا الهيكل يوجّه القسم الأكبر من الاعتمادات إلى مشاريع البنية التحتية والطاقة والماء والبيئة، فيما تأتي القطاعات الاجتماعية بنصيب أدنى، رغم الحاجة المتزايدة إلى خدمات القرب وجودتها. تُفصح هذه الخريطة عن اختلالات متراكمة بين الجهات، وتفاوتات في توزيع المشاريع وفق الوزن الديموغرافي والحاجيات الإنمائية، ما يجعل العدالة الترابية عنوانا مؤجلا يحتاج إلى أدوات استهداف أدق وربط أوثق بين التمويل والأثر.
أول ما يلفت الانتباه هو درجة التركّز: حزمة واسعة من الاستثمارات العمومية تتكدّس في الجهات ذات الجاذبية الاقتصادية الأكبر ومراكز الثقل اللوجستي والصناعي، وفي مقدمتها الأقطاب الساحلية والشمالية، بما يعزّز دينامية قطاعات الطاقة والموانئ والنقل والتهيئة الحضرية. في المقابل، تُسجّل الجهات الداخلية والحدودية، ذات الهشاشة الاجتماعية والمجالية الأعمق، حضورا أضعف في محفظة المشاريع المبرمجة مقارنة بوزنها السكاني وبمؤشرات الخصاص لديها، وهو ما يُفاقم فجوة الولوج إلى البنيات والخدمات الأساسية ويؤخر اللحاق بركب النمو. هذا الميل التاريخي نحو “الاستثمار حيث النشاط موجود أصلا” يترك “جيوبًا من التأخر” لا تُعالَج إلا ببرامج موجهة وقياسات منتظمة للعائد الاجتماعي والمجالي على الدرهم العمومي.
ثاني الاختلالات يتصل بتركيبة الاستثمار حسب القطاعات: أولوية واضحة للطاقة والماء والبيئة وما يرتبط بها من شبكات ونُظم نقل وتخزين وتوزيع، وهو اختيار مفهوم في ظل الإجهاد المائي والتحول الطاقي، لكنه يضغط على حصة القطاعات الاجتماعية المباشرة مثل الصحة والتعليم، رغم تعهّدات “الدولة الاجتماعية” وتوسيع ورش الحماية. النتيجة أن أثر الاستثمار على نوعية الحياة قد يتأخر عن أثره على النمو الكلي، ما لم تُرفَق المشاريع الهيكلية ببرامج مكمّلة سريعة الأثر في الجماعات الترابية الأقل تجهيزًا.
كما تُظهر المذكرة أنّ جزءا معتبرا من الغلاف الإجمالي يمر عبر المؤسسات العمومية والصناديق، وهو مسار يمنح سرعة تنفيذ أكبر في المشاريع الضخمة، لكنه قد يُضعف، من زاوية العدالة المجالية، قدرة الميزانية العامة للجماعات والقطاعات الاجتماعية على تمويل حلول القرب منخفضة الكلفة عالية الأثر، كالمدارس والمراكز الصحية والطرق القروية والماء الصالح للشرب، حيث يتجسد الفرق يوميًا في مؤشرات الولوج والإنصاف. ويزداد هذا الأثر حين تتجه استثمارات الشركات العمومية إلى محاور بعينها بحكم الجدوى الاقتصادية التجارية، بينما تظل الجدوى الاجتماعية في الهوامش أقل جاذبية من منظور العائد المالي.
وتبرز المذكرة كذلك حضور اعتمادات مخصّصة لمواكبة إعادة البناء بعد زلزال شتنبر 2023، وهو توجّه ضروري، لكن أوثره العادل يقتضي آليات تقطير دقيقة داخل الجهات المعنية نفسها، حتى لا تبتلع المدن الأكبر قسطًا أوفر من التمويلات مقارنة بالحواضر والقرى الجبلية التي تحمل العبء الاجتماعي الأكبر للكارثة. العدالة داخل الجهة لا تقل أهمية عن العدالة بين الجهات.
خلاصة الصورة أنّ هندسة 2025 تواصل دعم المشاريع المهيكلة، وتُبقي على تمركز الإنفاق حيث يتوافر الطلب والاستعداد المؤسسي، فيما تحتاج الفوارق المجالية إلى سياسة “تصحيحية” موازية تُعطي وزنا أكبر لمؤشرات العجز في الخدمات الأساسية ونِسَب الفقر والهشاشة، وتربط تحويلات الاستثمار العمومي بمستهدفات قابلة للقياس جهويا ومحليا. العدالة الترابية هنا ليست شعارًا بل طريقة توزيع: كل درهم عمومي ينبغي أن يُسأل عن أثره على الفجوة بين المركز والهامش، لا فقط على المنحنى العام للنمو. تلك هي الرسالة الضمنية التي يقرأها المتتبع في أرقام الغلاف وتركيبته القطاعية ومساراته التمويلية كما تقدمها الوثائق الرسمية المرافقة لقانون المالية لسنة 2025.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image