تكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية عن واقع مقلق يتعلق بالمهاجرين الجزائريين المقيمين في فرنسا بطريقة غير قانونية. فبحسب وزير الداخلية جيرالد دارمانان، يشكل الجزائريون النسبة الأكبر بين الموقوفين في وضع غير نظامي، إذ بلغ عددهم سنة 2024 نحو ثلاثة وثلاثين ألفاً وسبعمائة وأربعة وخمسين شخصاً، أي ما يعادل أربعين في المائة من مجموع الموقوفين في مراكز الاحتجاز الإداري عبر التراب الفرنسي.
فمنذ قرار الجزائر في الربيع الماضي وقف التعاون مع فرنسا في مجال ترحيل رعاياها المقيمين بصفة غير قانونية لم تتجاوز عمليات الإبعاد القسري 500 حالة فقط إلى غاية نهاية أكتوبر 2025، مقابل 1400 حالة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وهو تراجع يعكس التوتر الدبلوماسي المتزايد.
النتيجة المباشرة لهذا التعثر، حسب وزير الداخلية الفرنسي، هي امتلاء مراكز الاحتجاز الإداري بالكامل، حيث يشغل المواطنون الجزائريون 40 في المائة من الأماكن المتاحة. وهي نسبة تؤكد، إلى جانب الأرقام السابقة لوزارة الداخلية الفرنسية، أن الجزائريين يمثلون النسبة الأعلى من المهاجرين الموقوفين في وضع غير نظامي، إذ بلغ عددهم سنة 2024 حوالي 33 ألفاً و754 شخصاً.
هذه المعطيات لا تعبر فقط عن تحدٍّ أمني أو اجتماعي تواجهه فرنسا، بل تكشف في العمق فشلاً مزمناً في السياسات الجزائرية التي تدفع بأبنائها إلى مغادرة البلاد في ظروف قاسية، بحثاً عن حياة أكثر استقراراً وعدلاً، بعيداً عن انسداد الأفق الاقتصادي والسياسي في الداخل.
تعيش الجزائر منذ سنوات مفارقة صارخة، فهي بلد يطفو على بحر من النفط والغاز، ومع ذلك يعاني من معدلات بطالة مرتفعة، وفساد مزمن، ونظام سياسي مغلق لا يتيح فرص المشاركة الحقيقية. وبدلاً من تحويل العائدات الطاقية إلى مشاريع تنموية قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين مستوى المعيشة، تُهدر المليارات في صفقات تسليحية واستعراضات عسكرية، أو تُستعمل لشراء الولاءات الإقليمية وصناعة نفوذ هش خارج الحدود. في ظل هذا الواقع، تتحول الهجرة نحو أوروبا إلى خيار وجودي لا مغامرة عابرة، فجيل الشباب الجزائري لم يعد يثق في وعود الإصلاح ولا في الشعارات الوطنية التي بقيت رهينة الخطابات الرسمية.
على الجانب الفرنسي، تحاول باريس التوفيق بين ضغوط الرأي العام الذي يطالب بتشديد المراقبة على الهجرة غير النظامية، وبين متطلبات الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر. ومع ذلك، تظل المعضلة قائمة، إذ ترفض الجزائر في كثير من الأحيان تسلم المرحّلين من رعاياها، ما يعقد عمليات الإبعاد ويطيل مدد الاحتجاز في المراكز الإدارية. هذا التعنت يضع فرنسا أمام تحدٍّ مزدوج، أمني وإنساني في الوقت نفسه، لكنه يفضح أيضاً ازدواجية الخطاب الجزائري الذي يدّعي الدفاع عن كرامة مواطنيه في الخارج بينما يعجز عن ضمان كرامتهم في الداخل.
الهجرة غير النظامية في جوهرها ليست جريمة بقدر ما هي صرخة احتجاج صامتة ضد نظام عاجز عن إنتاج الأمل. فالمهاجر الجزائري غير النظامي ليس خصماً لفرنسا، بل ضحية لبلاده، ولخيبات نظام يهرب من أزماته الداخلية عبر خلق خصومات خارجية مفتعلة من المغرب إلى أوروبا. هكذا تتحول الهجرة إلى مرآة تعكس أزمة دولة تصدّر الفقر واليأس بدل الاستقرار والتنمية، وتستثمر في الخطاب الشعبوي بدل بناء المستقبل.
وتؤكد المعطيات الفرنسية أن الجزائر ليست فقط مصدراً للهجرة غير النظامية، بل نموذجاً حياً على كيف يمكن للانسداد السياسي أن يتحول إلى تصدير للأزمات. فالأرقام تتحدث بوضوح وتختصر الحقيقة كلها: هناك شعب يطارد الأمل خارج وطنه، لأن وطنه طرده أولاً.








تعليقات
0