محمد المنتصر
يكشف التقرير الإداري لمكتب الصرف برسم سنة 2024 عن صورة مزدوجة: من جهة، أرقام مشجعة توحي بتقدم في الأداء الرقابي، ومن جهة أخرى، مؤشرات مقلقة حول هشاشة بعض القطاعات الخاضعة للمراقبة وضعف فعالية آليات الردع والتتبع. فالمكتب، رغم تحسنه التقني والتنظيمي، لا يزال يواجه تحديات عميقة تتعلق بنجاعة المراقبة الميدانية، والحد من التجاوزات المتكررة في أنشطة الصرف اليدوي، وضمان التزام المؤسسات المالية بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
فبحسب التقرير، بلغ عدد ملفات المنازعات المفتوحة خلال سنة 2024 129 ملفاً مقابل 137 سنة 2023، أي بانخفاض نسبته 5,8 في المائة. تراجع عددي يبدو إيجابياً في ظاهره، لكنه لا يعكس بالضرورة تحسناً جوهرياً في منظومة الرقابة أو في سلوك الفاعلين الاقتصاديين. فالمكتب نفسه يعترف بأن جزءاً من هذه الملفات تم إغلاقه قبل استكمال كل الإجراءات نتيجة لتسويات داخلية أو صعوبات في تتبع المساطر، خصوصاً مع شركات الصرف التي تم إغلاق 151 ملفاً منها بعد “عمليات تحقق” دون توضيح كافٍ لطبيعة المخالفات أو مآلاتها القانونية.
في المقابل، أنجز المكتب 361 تحقيقاً ميدانياً سنة 2024، مقابل 353 تحقيقاً في السنة السابقة. وهي زيادة طفيفة لا تتناسب مع حجم المعاملات المالية الخارجية ولا مع اتساع دائرة الأنشطة المشمولة بالمراقبة، خاصة في القطاعات الحساسة كالصناعة والخدمات والتجارة الخارجية. الأخطر أن نسبة كبيرة من هذه التحقيقات (حوالي 30 في المائة) تخص أشخاصاً طبيعيين يملكون أموالاً أو أصولاً بالخارج، ما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية الآليات الوقائية التي يفترض أن تمنع منذ البداية تكوين مثل هذه الأصول خارج المساطر القانونية.
أما شركات الصرف اليدوي، التي يفترض أن تكون الحلقة الأكثر مراقبة، فقد كانت محور 105 تحقيقات فقط، منها 57 تتعلق بالنشاط الفعلي و48 بالمطابقة مع القوانين الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وهي أرقام تعكس محدودية التغطية الميدانية مقارنة بعدد الشركات العاملة في هذا المجال، خصوصاً في ظل توسع الطلب على التحويلات النقدية وتعدد نقاط الصرف عبر التراب الوطني.
وتوزعت الرقابة على القطاعات بنسبة 32,7 في المائة للبنوك ومؤسسات الصرف، و32,7 في المائة للأشخاص الطبيعيين، و34,6 في المائة لباقي الفاعلين الاقتصاديين. هذا التوزيع المتساوي يبدو شكلياً أكثر مما هو ناتج عن تحليل مخاطر مدروس، إذ لا توجد مؤشرات على أن المكتب يعتمد نظاماً ترجيحياً في التفتيش وفق درجة الخطورة أو حجم المعاملات.
ورغم إشادة التقرير بخروج المغرب من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (GAFI)، فإن استمرار الحديث عن “خطط مواكبة” لشركات الصرف يشي بأن مستوى الامتثال لا يزال هشاً، وأن الرقابة تعتمد أكثر على المواكبة التكوينية من الزجر الفعلي. فغياب المعطيات حول حجم الغرامات أو العقوبات المطبقة يجعل من الصعب تقييم أثر المراقبة على السلوك المؤسساتي.
ويخلص تحليل التقرير إلى أن مكتب الصرف يوجد في مفترق طرق: بين منطق الإدارة الرقمية الحديثة التي تراهن على الشفافية والفعالية، ومنطق البيروقراطية التي تكتفي بإحصاء التحقيقات دون مساءلة مردودها الحقيقي. فالتحدي لم يعد تقنياً فقط، بل يرتبط بجرأة المكتب في تحويل المراقبة من عملية شكلية إلى أداة لتصحيح اختلالات بنيوية في حركة الأموال والتعاملات الخارجية، حيث لا تزال الثغرات التنظيمية والرقابية تسمح بتسربات مالية لا يستهان بها.








تعليقات
0