أكد أحمد العمومري، الأمين العام للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، خلال مناقشة الميزانية الفرعية للهيئة أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أن الهيئة تمثل الإطار المؤسساتي الوطني الذي أوكله الدستور مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد، والمساهمة في تخليق الحياة العامة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وقيم المواطنة المسؤولة.
وأوضح العمومري أن هذه المهام فُصّلت في القانون رقم 46.19، الذي صادق عليه البرلمان بالإجماع في مارس 2021، مشيرًا إلى أن دخول هذا القانون حيز التنفيذ تم في 24 أكتوبر 2022 بعد تعيين أعضاء مجلس الهيئة وأمينها العام.
وشدد على أن محاربة الفساد قضية دولة ومجتمع، مستشهدا بما أكده جلالة الملك محمد السادس من أن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة من خلال تفعيل الآليات القانونية وتجريم مختلف مظاهرها، وبين المجتمع بمختلف مكوناته عبر الرفض والتبليغ والتربية على قيم النزاهة.
وأضاف أن المغرب أعلن منذ بداية الألفية الثالثة عن انخراطه الكامل في الدينامية الدولية لمحاربة الفساد من خلال التوقيع والمصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وملاءمة ترسانته القانونية والمؤسساتية مع مقتضياتها، إلى جانب تبني الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد (2015-2025)، مؤكداً أن هذه المبادرات لاقت تنويهاً دولياً من المؤسسات المعنية بالنزاهة والشفافية.
وأشار العمومري إلى أن تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، الذي عُرض في لقاء إقليمي نظمته الهيئة يومي 28 و29 أكتوبر 2025، أكد أن المغرب حقق نتائج مهمة في تثبيت الإطار المؤسسي والتشريعي لمحاربة الفساد. لكنه نبه في المقابل إلى أن هذا التقدم لا يعكس تحسناً موازياً في الأداء الإداري أو في الثقة العامة بالمؤسسات، وهما عنصران أساسيان في قياس رضى المواطنين وجودة الخدمات العمومية.
واعتبر أن التحدي الحالي لا يكمن في سن القوانين أو صياغة الاستراتيجيات بقدر ما يتمثل في ضمان فعاليتها على أرض الواقع، وقدرتها على التأثير في سلوك المؤسسات والإدارات، وعلى تلمّس المواطن لنتائجها الملموسة.
وأوضح أن الهيئة، في إطار القانون 46.19، تابعت الجهود الوطنية في هذا المجال عبر تقارير سنوية موضوعية تقوم على تشخيصات ودراسات ميدانية ومتابعة المؤشرات الدولية والقضايا القضائية والتبليغات الواردة، مبرزاً أن هذه التقارير تشكل “مرآة نقدية تقويمية للواقع”.
وأشار إلى أن الهيئة أعدّت تقارير موضوعاتية أسست لتشريعات مهمة تتعلق بتنازع المصالح، والإثراء غير المشروع، ومنظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، والحق في الحصول على المعلومات، وحماية المبلغين، إلى جانب ملاحظاتها حول التعديلات الخاصة بقانون المسطرة الجنائية، ولاسيما ما يتعلق بتحجيم دور المجتمع المدني في التبليغ أو الانتصاب كطرف مدني في قضايا الفساد.
وكشف العمومري أن الهيئة بصدد الإعلان عن تقييم شامل للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2015-2025، مبرزاً أن التقييم سجل تقدماً محدوداً لم يرق إلى الطموحات، سواء من حيث هيكلة الاستراتيجية وبرامجها، أو من حيث الحكامة التي لم تعكس انخراطاً جماعياً كافياً، مشيراً إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد لم تجتمع سوى مرتين منذ 2017.
وأكد الأمين العام أن الهيئة ملتزمة بمواصلة مبادراتها بروح موضوعية، معلناً عن قرب إطلاق استراتيجية جديدة لعمل الهيئة تمتد لخمس سنوات، تستند إلى مداخل متكاملة تجمع بين الوقاية والتوعية والمكافحة الميدانية، في انسجام مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين.
وفي ختام كلمته، أعلن العمومري أن الهيئة ستشرع قريباً في تفعيل بُعد المكافحة الميدانية، عبر جهاز المأمورين (المحققين)، بعد صدور النظام الداخلي للهيئة بالجريدة الرسمية، مؤكداً أن هذا التفعيل سيتم في تكامل مؤسساتي مع أجهزة إنفاذ القانون، ولاسيما بعد توقيع اتفاقية شراكة مع القطب الأمني المتمثل في المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مع التحضير لاتفاقيات أخرى مع مؤسسات مختلفة لدعم جهود التحري والتحقيق.
وختم العمومري بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد دينامية جديدة في مسار مكافحة الفساد بالمغرب، من خلال رؤية استراتيجية متجددة تؤطر عمل الهيئة وتعزز مكانتها كفاعل مركزي في ورش النزاهة والشفافية.








تعليقات
0