منذ التحاقي بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لم يكن الأمر بحثا عن موقع أو طموحا في مسؤولية، بل كان اختيارا واعيا مبنيا على القيم الديمقراطية والاتحادية الأصيلة، تلك القيم التي تشكلت في مدرسة رواد كبار من طينة المهدي بن بركة، وعمر بنجلون، وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الرحمن اليوسفي، ومن بعدهم عبد الواحد الراضي، وصولا إلى الأخ إدريس لشكر.
كان انخراطي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية امتدادا طبيعيا لمسار نضالي تدرجي، بدأ من الشبيبة الاتحادية، مرورا بالقطاع الطلابي والنضال داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ثم العمل التنظيمي عبر خلية الحي، فمجلس الفرع ، فالمسؤولية المحلية، فالإقليمية، وصولا إلى الإسهام في النقاش الوطني. مسار لم يكن مفروشا بالورود، بل كان مشحونا بالتحديات، و موسوما أحيانا بالإقصاء والتهميش، لكنه ظل محكوما بقناعة واحدة: أن الاتحاد فكرة قبل أن يكون موقعا، ومسؤولية قبل أن يكون امتيازا.
وبالموازاة مع ذلك، كان عطائي داخل حركة الطفولة الشعبية، هذه المدرسة الوطنية العريقة المنبثقة من رحم الحركة الوطنية، حيث تدرجت من يافع إلى منخرط، إلى مسؤول محلي، فجهوي، فوطني.
هناك أيضا تشكل وعيي على معنى الالتزام، وعلى أن النضال ليس محطة عابرة، بل هو مسار حياة.
الميزة التي أعتز بها، والتي يتقاسمها معي العديد من المناضلات والمناضلين، هي أننا لم نبدل تبديلا. قد نختلف، قد ننتقد، قد نطالب بالإصلاح والتطوير، لكننا لم نغادر البيت حين اشتدت العواصف، ولم نرتمِ في أحضان الترحال السياسي بحثا عن دفء مؤقت.
لقد عايشنا جميعا مراحل صعبة؛ ناضلنا فصعد غيرنا، وتقدمنا فتراجع بعضنا، ومررنا بتجارب لم تكن دائما منصفة. لكننا بقينا. بقينا لأن الاتحاد كان لنا سندا، وكان بيتا سياسيا وفكريا وأخلاقيا.
ومن شيم الاتحادي الأصيل ألا يضرب اليد التي كانت في زمن من الأزمنة سندا له وعزوة.
اليوم، نرى بعض من كانوا بالأمس في مواقع قيادة، ويقدمون أنفسهم قدوة في الثبات، وقد اختاروا مسارا آخر. ليس في المغادرة عيب إن كانت عن قناعة صادقة، لكن العيب أن تتحول المغادرة إلى منصة للهجوم، وأن يستعمل خطاب النقد لتصفية حسابات، في تجاهل لذاكرة جماعية تعرف السياقات والظروف والاختيارات. فالسياسة أخلاق قبل أن تكون مواقف، ومن كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجر.
إن مساري الشخصي ليس حالة استثنائية، بل هو صورة مصغرة لمسارات كثيرة داخل الاتحاد. رجال ونساء تشبعوا بقيم الديمقراطية الاجتماعية، دافعوا عن بلدهم من داخل انخراطهم الحزبي، واعتبروا أن الإصلاح يمر عبر المؤسسات والتنظيمات، لا عبر القفز بينها. هؤلاء هم الاتحاديون الأحرار الذين لم يتاجروا بتاريخهم، ولم يجعلوا من الحزب سلما مؤقتا.
واليوم، ونحن على أعتاب مرحلة سياسية دقيقة، فإن الخيار الذي عبر عنه الاتحاديون عبر مختلف فروع الحزب وتنظيماته، هو الاستمرار في قيادة الأخ إدريس لشكر للمرحلة. ليس من باب الشخصنة، بل من باب استمرارية خط سياسي وتنظيمي، ومن باب الوفاء لمسار تدرج فيه من الشبيبة، إلى القطاع الطلابي، إلى المسؤوليات التنظيمية، وصولا إلى القيادة الوطنية. مسار يعرفه الاتحاديون جيدا، لأنه يشبه مساراتهم.
قد تختلف التقديرات، وقد تتعدد الآراء، لكن اللحظة السياسية تقتضي وحدة الصف، وتحصين البيت الداخلي، وتعزيز حضور الحزب في المشهد الوطني بخطاب واضح ومسؤول. فالرهان ليس صراع مواقع، بل استعادة الثقة المجتمعية، وتجديد العرض السياسي الاتحادي، وتكريس دور الحزب كقوة اقتراحية ونضالية في آن واحد.
إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يكن يوما مجرد إطار تنظيمي؛ كان مدرسة في الوطنية والديمقراطية والتضحية. ومن اختار البقاء فيه عن قناعة، اختار طريقا قد يكون أطول، لكنه أكثر انسجاما مع الذات ومع التاريخ.
هذا صوت من داخل البيت، لا يطلب تزكية، ولا يوزع صكوك الانتماء، بل يدعو إلى الوفاء، وإلى استحضار الذاكرة الاتحادية الجامعة، وإلى الالتفاف حول خيار المرحلة، لأن قوة الاتحاد في وحدته، ومناعته في تماسك مناضليه، ومستقبله في صدق التزامهم.
وما دمنا لم نبدل تبديلا، فسيظل الاتحاد خيارا، لا ظرفا عابرا او مقعدا .








تعليقات
0