يتقدّم مشروع الطريق السريع بين تيزنيت والداخلة بخطوات واثقة نحو ترسيخ تحول عميق في البنية الطرقية للمغرب، بعدما اكتملت أشغاله بشكل كامل على امتداد 1055 كيلومتراً، في واحد من أضخم الأوراش التي عرفتها المملكة خلال العقد الأخير. المشروع، الذي رُصد له غلاف مالي يتجاوز 9 مليارات درهم، لم يعد مجرد طريق مزدوج يربط شمال الأقاليم الجنوبية بجنوبها، بل أصبح اليوم ركناً محورياً في النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس سنة 2015، ورافعة استراتيجية لتعزيز الربط الاقتصادي والتجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي.
هذا الورش الممتد على طول الطريق الوطنية رقم 1، حوّل المسار التقليدي إلى بنية عصرية مزدوجة في الاتجاهين، معززة بتشوير كامل تم اختباره بدقة منذ فتح حركة السير في يناير الماضي. ويمتد المشروع على ثلاثة مقاطع رئيسية لكل منها خصوصيته الهندسية؛ من تضاريس الأطلس الصغير بين تيزنيت وكلميم على مسافة 114 كيلومتراً وبتكلفة ملياري درهم، مروراً بالمقطع الأصعب تقنياً بين كلميم والعيون بطول 441 كيلومتراً وبكلفة تناهز 6 مليارات درهم، وصولاً إلى الجزء الرابط بين العيون والداخلة على مدى 500 كيلومتر والذي استكملت أشغاله قبل عامين بغلاف تجاوز مليار درهم.
وتتوزع على طول المشروع 16 قنطرة وجسراً و7 محطات استراحة ومواقف للشاحنات، إضافة إلى 18 نقطة مخصصة لتفريغ مياه شاحنات نقل الأسماك، و6 طرق التفافية. هذه المنشآت لم تُنجَز في سياق عادي؛ بل وسط تحديات جيو-استراتيجية وطبيعية وتقنية وصحية، غير أن تعبئة فرق العمل وتنسيقها بين المقاولات والمكاتب الطبوغرافية ومختبرات الجودة مكّن من احترام الجدول الزمني والرفع من جودة الإنجاز.
الأهداف الاستراتيجية للطريق السريع تتجاوز البعد الهندسي. مساره الجديد يقلل مخاطر الانقطاع بسبب الفيضانات أو تراكم الرمال، ويحسن شروط السلامة، ويقلل كلفة النقل ومدته بشكل غير مسبوق: ثلاث ساعات أقل للسيارات الخفيفة وخمس ساعات للشاحنات الثقيلة. وهو ما ينعكس مباشرة على دينامية الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، ويقوي اندماجها في دورة الإنتاج الوطني، ويُسهم في توسيع المبادلات التجارية مع إفريقيا.
ولم يكن أثر المشروع اجتماعياً أقل تأثيراً. فخلال فترة الأشغال، وفر أزيد من 205 ملايين يوم عمل، ومن المنتظر أن يخلق تشغيله أكثر من 30 ألف يوم عمل مباشر و150 ألفاً غير مباشر سنوياً. كما أن إنجازه بالكامل بأطر وشركات مغربية يعكس تراكم خبرة وطنية قوية في مجال البنيات التحتية الكبرى؛ إذ شاركت في الورش 36 مقاولة كبرى و15 مكتب دراسات و14 مكتباً طبوغرافياً و4 مختبرات للجودة، مع تعبئة تتجاوز 3500 آلية و350 مهندساً وتقنياً.
وفي قلب هذا المسار، يتواصل ورش بناء أكبر وأطول جسر طرقي في المغرب على وادي الساقية الحمراء ضمن الطريق الدائري للعيون. الأشغال تخطت 30 في المائة، في مشروع تبلغ كلفته 1,38 مليار درهم، ويُرتقب أن يكتمل في يوليوز 2027. يمتد الجسر على 1648 متراً بعرض يصل إلى 21,4 متراً، ويرتكز على 15 منشأة خرسانية ضخمة بأساسات عميقة تمتد على سبعة كيلومترات، ما سيجعل منه نقطة تحول في انسيابية حركة المرور بالعاصمة الجهوية للأقاليم الجنوبية، مع تخفيف الضغط داخل المدينة وتجاوز مخاطر الفيضانات.
بهذه البنية الجديدة، لا يكتفي الطريق السريع بربط تيزنيت بالداخلة، بل يربط مساراً من الرؤية التنموية الملكية بمستقبل تنموي جديد للأقاليم الجنوبية. وكل مؤشر اليوم يشي بأن هذا الطريق ليس مجرد مسار معبّد، بل هو خط تنفس اقتصادي وجسري، يعيد ترتيب علاقة المغرب بمحيطه الإفريقي ويمنح الجنوب موقعاً استراتيجياً داخل دورة الاقتصاد الوطني والعابر للقارات.








تعليقات
0