كشفتها المندوبية السامية للتخطيط … معطيات جديدة تكشف ملامح المغرب العميق

rami الجمعة 7 نوفمبر 2025 - 05:42 l عدد الزيارات : 80462

المغرب العميق كما تكشفه أرقام رسمية : دواوير تتغير، وسكان يعيدون تشكيل الخريطة الاجتماعية للمجال القروي

في المغرب العميق، بعيداً عن صخب المدن وسرعة تحوّلاتها، تتكشف ملامح مغرب آخر… مغرب يتداخل فيه التاريخ مع الجغرافيا، والذاكرة مع التحولات الديموغرافية، كما ترصده آخر نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024. الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط ليست مجرد جداول تقنية؛ إنها لوحة واسعة لواقع يمتد على 33 ألفاً و189 دواراً، تقدّم للمرة الأولى صورة مُحكمة عن السكان والأسر، وأنماط السكن، وحركية العمر، والولوج إلى الخدمات الأساسية داخل العالم القروي.

المعطيات تقود إلى خلاصة أولى: الخيال التقليدي عن «الدوار» لم يعد مطابقاً للواقع. فالدواوير المجمّعة – بما يصل إلى 19 ألف دوار – تضم اليوم قرابة نصف سكان القرى، وتشكّل نواة عمرانية أكثر تماسكا، بينما تتوزع الدواوير المجزأة و المشتتة على نمط عمراني واسع الامتداد، يعكس علاقة القرى بالأرض والمجال الزراعي والجبلي.

هذا التنوع يجعل من الدوار وحدة اجتماعية لا تشبه مثيلاتها في الجهة التالية. ففي درعة–تافيلالت مثلاً، لا تزال القرى تحتفظ بأعلى كثافة للسكان القرويين بنسبة 63 في المائة، بينما تنخفض النسبة إلى حدود 3 في المائة فقط في العيون–الساقية الحمراء و12 في المائة في الداخلة–وادي الذهب، حيث رسّخت البنيات الحضرية وجودها بشكل شبه كامل.

ورغم الطابع التقليدي الذي يُلصق عادة بالمجال القروي، تكشف الأرقام عن حركة ديموغرافية نشطة. نسبة الشباب تحت سن الخامسة عشرة انخفضت إلى 29,6 في المائة، فيما ارتفعت نسبة كبار السن إلى 13,2 في المائة. ومع ذلك، فالنظرة التفصيلية تُظهر أن 43 في المائة من الدواوير لا تزال تضم نسبة مرتفعة من الأطفال، وأن دواوير أخرى تقارب فيها شيخوخة الساكنة ضعف المعدل الوطني. الأمر يشير إلى قريتين داخل المغرب القروي ذاته: واحدة لا تزال فتية تعيش على وقع الهجرة غير المنتظمة للرجال إلى المدن، وواحدة أخرى تشهد استقراراً سكانياً يعزز وجود كبار السن.

ويبدو أثر الهجرة واضحاً في مؤشر آخر: التفوق النسائي. فثلث الدواوير تقريباً تظهر فيها نسبة الذكور أقل من عدد النساء، وهو تحوّل اجتماعي كبير، يعكس خروج آلاف الرجال نحو المدن أو الخارج، وترك تركيبة أسرية جديدة تتشكل في العمق القروي، حيث تتولى النساء أدواراً أكبر في الحياة اليومية وفي تدبير شؤون الأسرة.

وإذا كان السكن من مؤشرات العيش الأكثر حساسية، فإن المعطيات الجديدة تبرز فروقات كبيرة. فحوالي نصف الأسر القروية تقيم اليوم في مساكن لائقة بمعايير حديثة، بينما يعيش 20 في المائة من سكان بعض الدواوير في مساكن متواضعة تفتقر إلى الحد الأدنى من الجودة العمرانية. بين هذين الواقعين تمتد شبكة واسعة من دواوير يتراوح مستوى جودة السكن فيها بين المتوسط والجيد، ما يعكس انتقالاً بطيئاً ولكن ثابتاً نحو نمط عيش أكثر حداثة.

لكن الوجه الأكثر تعقيداً في هذه الصورة يتعلق بالخدمات الأساسية. فمن جهة، تحسّن الوصول إلى الطرق القروية بشكل واضح؛ أكثر من 90 في المائة من الدواوير متصلة بمسالك صالحة للسيارات، و75 في المائة ترتبط بطرق معبدة. غير أن هذا التحسن الذي يُسهِّل الحركة والربط الاجتماعي، لا يُوازيه تقدّم مماثل في التعليم والصحة.

المدرسة الابتدائية قريبة نسبياً؛ ثلثا الدواوير يوجد سكانها على بعد أقل من كيلومترين من مؤسسة ابتدائية. لكن الصورة تتغير جذرياً عند الوصول إلى المستوى الثانوي؛ فـ 8 في المائة فقط يعيشون قرب إعدادية، وأقل من ذلك قرب ثانوية تأهيلية. ربع سكان القرى يضطرون لقطع أكثر من عشرة كيلومترات للوصول إلى مؤسسة ثانوية، وهو معطى يُذكّر بعمق الفوارق الترابية، ويطرح سؤال الفتيات في العالم القروي؛ أولى المتأثرين بهذه المسافات الشاقة.

أما الصحة، فما تزال الخطوة الأكثر بطئاً على الطريق. ثلث الدواوير فقط تتوفر على مستوصف أو مركز صحي في نطاق خمسة كيلومترات، بينما يعيش 55 في المائة من السكان على مسافة تتجاوز هذا الحد، ما يجعل الولوج إلى الخدمات الطبية رهيناً بالجغرافيا والقدرة على التنقل أكثر مما يجب.

ورغم هذه التحديات، تحمل الأرقام جانباً مشجعاً: المغرب نجح تقريباً في تعميم التسجيل بالحالة المدنية داخل العالم القروي بنسبة تجاوزت 99 في المائة. هذا الإنجاز ليس رمزياً فقط؛ إنه يفتح باب الحقوق الأساسية أمام ملايين المواطنين، من المدرسة إلى الرعاية الصحية، ومن المساعدات الاجتماعية إلى تحديد الهوية القانونية.

ختاماً، تبدو لوحة المغرب القروي كما تكشفها أرقام 2024 مركبة ومتعددة الأبعاد: تقدم واضح في البنيات التحتية، مقابل بطء في توسيع الخدمات الاجتماعية؛ تحولات ديموغرافية تعيد تشكيل تركيب الساكنة؛ ودواوير تتحول تدريجياً من فضاء تقليدي إلى مجال اجتماعي أكثر تعقيداً وثراء.

المعطيات موجودة، دقيقة وواضحة. التحدي الآن هو في ما سيأتي: كيف ستترجم هذه الخريطة السكانية الجديدة إلى سياسات عمومية تراعي خصوصية كل دوار وتضمن أن التنمية لا تبقى مجرد أرقام في تقرير، بل تتحول إلى تغيير ملموس في حياة الناس؟

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image