تقدم أرقام هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي الخاصة بالأسدس الأول من سنة 2025 لوحة مركّبة لسوق التأمينات في المغرب، تجمع بين طفرات نمو غير مسبوقة في بعض الفروع، وتباطؤ لافت في فروع أخرى يفترض أن تكون ضمن محركات القطاع. وبين الاتجاهين، تظهر ملامح تحول عميق في سلوك الادخار والمخاطر، بما يعكس ديناميات جديدة تستحق إمعان النظر.
أول الأرقام التي تقفز إلى الواجهة هي النمو المذهل في “الادخار بالوحدات الحسابية”، الذي سجّل زيادة تقارب 80 في المائة، في واحدة من أسرع القفزات داخل قطاع يعتبر عادة بطيء التحول. هذا الارتفاع الاستثنائي يطرح أكثر من سؤال حول طبيعة العمليات التي قادت إلى هذا التطور: هل يتعلق الأمر بتحول في سلوك المدخرين نحو منتجات استثمارية مرتبطة بالسوق المالية؟ أم بعمليات مؤسساتية كبرى دفعت بهذا الفرع إلى مستويات غير مسبوقة؟ في كل الحالات، الرقم يكشف تغيراً في ميزان الطلب على منتجات الادخار التقليدية.
وبحدة أقل، لكن بالمنطق نفسه، يسجّل “فرع الأخطار التقنية” نمواً يتجاوز 66 في المائة، في مؤشر يكاد يشير إلى موجة مشاريع كبرى في قطاعات الصناعة والبناء والطاقة والبنى التحتية. فمثل هذا النمو الاستثنائي في فرع عادة ما يعرف استقراراً نسبياً، لا يمكن قراءته إلا في ضوء توسع حقيقي في المخاطر التقنية التي تحتاج تغطية تأمينية، أو مراجعة واسعة للضمانات المعتمدة لدى عدد من المؤسسات.
ومن الزوايا ذات الدلالة أيضاً، استمرار ارتفاع فرع “الوقائع الكارثية” بنسبة تفوق 11 في المائة. هذا الفرع حديث العهد بالسوق المغربية، لكنه يكتسب بوتيرة متسارعة أهمية أكبر، بفعل تزايد الظواهر المناخية القصوى، والفيضانات والتقلبات الحادة التي أصبحت جزءاً من المشهد البيئي المحلي. الزيادة المسجلة هنا ليست مجرد رقم، بل تعبير عن ضغوط مناخية بدأت تفرض نفسها على القطاع.
في المقابل، تسجل فروع يفترض أنها من ركائز السوق أداءً أقل دينامية، كما هو الحال بالنسبة لفرع “العربات”، الذي ينمو بنسبة 6.6 في المائة رغم تراجع مبيعات السيارات الجديدة خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أن الجزء الأكبر من النمو يعود إلى ارتفاع الأقساط أكثر مما يعود إلى توسع قاعدة المؤمنين. الصورة نفسها نجدها في “الحوادث الجسمانية” و”الوفاة”، حيث تبقى نسب النمو معتدلة رغم وزنها الكبير في القطاع.
أما فرع “الحريق”، الذي يشكل إحدى الدعائم التقليدية لسوق التأمين، فلا يتجاوز نموه 2.9 في المائة فقط، وهو رقم يثير التساؤلات في ظل الزخم الاقتصادي والعمراني الذي تعرفه البلاد. ضعف النمو هنا قد يكون مرتبطاً بتشبع السوق أو ببطء في تعزيز ثقافة التأمين لدى المقاولات، لكنه في كل الأحوال مؤشر يستحق الوقوف عنده.
وتكشف الأرقام أيضاً عن زيادة مهمة في “الكفالة والقرض” تناهز 13 في المائة، ما يعكس حركة متجددة في سوق التمويل والضمانات البنكية، خصوصاً لدى المقاولات الصغيرة والمتوسطة. كما ترتفع عمليات “القبول” بنحو 11 في المائة، في إشارة إلى زيادة نقل المخاطر نحو شركات إعادة التأمين، إما بسبب تضخم الملفات، أو بفعل رغبة الشركات المغربية في تخفيف الضغط على ميزانياتها.
في المجمل، تقدم إحصائيات الأسدس الأول صورة قطاع يعيش على إيقاع مزدوج: طفرات قوية في فروع مرتبطة بالاستثمار والمخاطر الجديدة، مقابل بطء واضح في فروع تقليدية يفترض أن تتحرك مع وتيرة النمو الاقتصادي. وبين الاتجاهين، تتشكل الخريطة الجديدة لسوق التأمينات، حيث تتحول مراكز الثقل تدريجاً، وتتبدل أولويات الزبائن، وترتفع حدة المخاطر المناخية والتقنية، بينما تظل بعض الفروع معلقة بين الحاجة إلى الابتكار وضرورة مواكبة التحولات الجارية.
هذا التباين بين الفروع يمنح قراءة دقيقة لاقتصاد التأمين بالمغرب، ويوفر للمحللين أرضية قوية لفهم التحولات الهيكلية التي تشق طريقها داخل القطاع، في انتظار ما ستكشف عنه نتائج السنة الكاملة من اتجاهات جديدة أو مفاجآت أخرى.








تعليقات
0