تكشف تطورات سوق الحبوب خلال سنة 2025 عن واقع مقلق يضع الأمن الغذائي الوطني في قلب العاصفة. فرغم الخطاب المطمئن الذي يتردد داخل المؤسسات الحكومية، تتضح من خلال الأرقام حركة استيراد كثيفة ومتقلبة، تعكس تبعية متزايدة للخارج، وضعفاً بنيوياً في القدرة الإنتاجية الوطنية. هذه الوضعية لا يمكن فهمها خارج سياق أعوام من السياسات الزراعية التي وعدت بالاكتفاء، لكنها تركت البلاد في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية من موقع هش.
تغيّر بنية الواردات خلال السنة الجارية يبدو، للوهلة الأولى، استجابة تقنية للظروف المناخية، لكنه في الواقع علامة على اختلالات أعمق. فقد ارتفعت واردات القمح الصلب بما يفوق عشرة في المائة، في حين تراجع الشعير إلى أقل من نصف مستواه المعتاد، وارتفعت مشتريات الغلوتين المشتق من الذرة بنسبة مهولة. كل هذه التحركات توحي بأن السوق الوطنية أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على حلول آنية لتعويض نقص الإنتاج الداخلي، خاصة في ما يتعلق بالمواد التي تدخل بشكل مباشر في صناعة الدقيق وتغذية المواشي.
هذا الاضطراب لا يمس الحبوب فقط، بل يمتد إلى السلسلة بأكملها، خصوصاً منتجات الأعلاف التي شهدت بدورها قفزات كبيرة في واردات الذرة و الصويا. وهو ما يدل على ضغوط متراكمة يعيشها قطاع تربية المواشي، الذي صار رهينة للأسعار الخارجية، في وقت لم تفلح فيه البرامج العمومية في تأمين بدائل محلية مستقرة.
ومع تعقّد المشهد، تبرز سياسة “تنويع المصادر” كحلّ حكومي يقدَّم باعتباره استراتيجية حماية. غير أن الواقع يكشف أنها ليست سوى محاولة لتخفيف أثر التوترات الدولية على السوق الداخلية، دون أن تعالج المشكل الأصلي: غياب قدرة إنتاجية وطنية تضمن للمغرب جزءاً معقولاً من اكتفائه. فتنقل الطلب بين فرنسا والبرازيل ورومانيا والأرجنتين لا يعني أن المغرب أصبح أكثر قوة، بل يدل على أن حاجته للمواد الأساسية صارت مرتبطة بجغرافيا متعددة، لا يملك التحكم في ظروفها ولا في أسعارها.
لا ينبغي أن نخفي حقيقة أن البلاد تستقبل ملايين الأطنان من الحبوب سنوياً لأنها غير قادرة على إنتاج ما يكفي داخل حدودها. ويصبح السؤال مشروعاً: ما جدوى الاستثمارات الضخمة التي رافقت خطط التنمية الزراعية إذا كان المغرب يعود في كل موسم إلى نقطة الصفر، مرتهناً للأسواق الخارجية؟
ويتخذ هذا الاعتماد بعداً أكثر خطورة حين يُنظر إليه من زاويته الجيوسياسية. فاضطرابات البحر الأسود، وارتفاع تكاليف النقل البحري، وتقلّب الإنتاج العالمي، كلها عوامل تدفع إلى التساؤل عن مدى قدرة الدولة على ضمان الاستمرارية في توريد المواد الأساسية. ومع كل أزمة دولية تتصاعد الحاجة إلى حلول وطنية صلبة، لكن الواقع يبيّن أن المغرب ما يزال بعيداً عن بناء منظومة قادرة على الصمود أمام تقلبات الأسواق.
إن ما تكشفه هذه المعطيات ليس مجرد خلل ظرفي، بل مؤشر على ضعف هيكلي يهدد الأمن الغذائي ويثقل كاهل المواطن، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو من خلال انعكاسات تقلبات الاستيراد على ميزانية الدولة. ومن ثَمّ، يصبح من الضروري إعادة النظر في السياسات الزراعية، وربط الدعم العمومي بنتائج فعلية تعزز الإنتاج الوطني، بدل الاستمرار في دوامة الخطط والتعهدات التي لا تغيّر شيئاً من الواقع.
في ضوء كل هذا، يتأكد أن السيادة الغذائية شرط أساسي لحماية المجتمع. وكل تأجيل لإصلاح عميق سيجعل المغرب أكثر عرضة لصدمات خارجية لا يملك التحكم فيها، وأكثر بُعداً عن نموذج تنموي يقوم على الاعتماد على الذات واستقرار السوق وجودة العيش.








تعليقات
0