أحمد بيضي
شهدت القاعة الكبرى لمقر عمالة إقليم خنيفرة، يوم الثلاثاء 11 نونبر 2025، انعقاد لقاء تشاوري موسع مع مختلف الفاعلين المحليين، في إطار الإعداد لبرنامج التنمية الترابية المندمجة الجديد على مستوى الإقليم، وهو اللقاء الذي ترأسه عامل الإقليم، بحضور المنتخبين ورؤساء الجماعات الترابية، ورجال السلطة، ورؤساء المصالح اللاممركزة، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمهنيين، وممثلي هيئات المجتمع المدني، هذا اللقاء التشاوري يندرج ضمن تنزيل التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش وافتتاح دورة السنة التشريعية.
تباينات في فهم اللقاء
ولعل من أبرز ملاحظات اللقاء، أنه كشف بشكل واضح عن تفاوت مستويات بعض المتدخلين في فهم طبيعة اللقاء وأهدافه، إذ انحرفت مداخلات عدد منهم عن جوهر النقاش المتمثل في التشاور حول برنامج التنمية الترابية، لتتحول في كثير من الأحيان إلى خطابات إنشائية أو حملات انتخابية مبطنة أو استعراضات لفظية بعيدة عن الموضوع، إن لم تنزلق أحيانا إلى نبرة التباكي بدل تقديم اقتراحات عملية وواقعية يمكن أن تساهم في صياغة مشاريع تنموية ملموسة يحتاجها الإقليم في مجالاته الاقتصادية والثقافية والتربوية والاجتماعية.
وقد بدا ذلك واضحا في تدخل عامل الإقليم أكثر من مرة لإعادة النقاش إلى سكته الأصلية، وتذكير الحاضرين بهدف اللقاء القائم على التشاور الجاد وتبادل الأفكار البناءة، ومن خلال تدخلاته، وجه رسائل قوية منها “أن الإدارة لم تعد مفصولة عن المواطن، بل هي التي يجب أن تنتقل إليه”، وفي لحظة أخرى من كلمته، نبه إلى خطورة ما وصفه ب “العدمية”، أي النظرة السلبية التي ترفض الاعتراف بالمجهودات القائمة أو تكتفي بالتشكي دون اقتراح حلول، مؤكدا أن بلادنا لا تسير بالشعارات، وإنما بالاستراتيجيات المدروسة المبنية على مؤشرات دقيقة.
وبينما لم ينكر عامل الإقليم وجود اختلالات ومشاكل تستوجب المعالجة، شدد في المقابل على ضرورة مقاربة هذه التحديات بموضوعية وعقلانية من خلال تحديد الأولويات الحقيقية ووضع خطط عمل واقعية، محذرا من الوقوع في تكرار الخطابات العامة التي لا تفضي إلى نتائج ملموسة، كما دعا إلى تبني “ثقافة النتائج وفق ما أكد عليها جلالة الملك في خطبه الأخيرة”، معتبرا أن نجاح أي برنامج تنموي رهين ب “تغيير العقليات” واعتماد منهجية عمل تركز على المردودية والفعالية لا على الوعود والتبريرات.
مقاربة التشخيص الميداني
في مستهل اللقاء، ألقى عامل الإقليم، محمد عادل إيهوران، كلمة تأطيرية شاملة، أبرز فيها أن المغرب مقبل على جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة التي دعا إليها جلالة الملك، والتي تقوم على تثمين الخصوصيات المحلية، وترسيخ مبادئ الجهوية المتقدمة، وتكريس العدالة الاجتماعية والمجالية عبر ضمان استفادة كافة المواطنين من ثمار النمو، خاصة بالمناطق الجبلية والنائية التي ما تزال تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة وضعف البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وأكد أن العدالة الاجتماعية تمثل توجها استراتيجيا.
وشدد العامل على أن المقاربة التشاركية تعد اليوم أحد المفاتيح الأساسية لنجاح أي برنامج تنموي، إذ لا يمكن تحقيق تنمية فعالة دون إشراك فعلي لمختلف الفاعلين المحليين، من سلطات منتخبة ومجتمع مدني وفاعلين اقتصاديين واجتماعيين، في بلورة مشاريع تعكس انتظارات الساكنة الحقيقية وتستجيب لأولوياتها، وأوضح أن هذا التشاور الموسع يشكل مناسبة لتبادل الرؤى حول سبل وضع برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، ترتكز على التشخيص الميداني الدقيق وتستند إلى معطيات موضوعية حول الموارد والإمكانات المحلية.
وفي هذا السياق، ذكر عامل الإقليم أن اللقاء يأتي تنفيذا لمضامين دورية وزير الداخلية رقم 1300 الصادرة بتاريخ 15 غشت 2025، التي وضعت أربعة محاور أساسية لبرامج التنمية الترابية المندمجة، أولها إنعاش الشغل عبر خلق مناخ محفز للاستثمار المحلي واستثمار المؤهلات الاقتصادية للإقليم، وثانيها تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية خاصة في مجالي التعليم والصحة، وثالثها تدبير الموارد المائية بشكل تفاعلي ومستدام في ظل التحديات المناخية والإجهاد المائي، ورابعها التأهيل الترابي المندمج في انسجام مع الأوراش الوطنية الكبرى الجارية.
وأضاف أن مقتضيات الدورية الوزارية الجديدة رقم 15814 الصادرة بتاريخ 30 أكتوبر 2025، تركز على إجراء عملية تشخيص ترابي دقيق وشامل، قائم على الإنصات والتشاور الواسع مع الفاعلين المحليين، بهدف إعداد تقريرين أساسيين، الأول تشخيصي يتضمن قراءة متعددة الأبعاد لوضعية الإقليم من حيث الإمكانات والموارد ونقط القوة والضعف والتفاوتات المجالية والمشاريع المنجزة أو الجارية، والثاني تحليلي يفسر الخصائص الترابية للإقليم ويركز على القضايا ذات الأولوية مثل التشغيل والخدمات الاجتماعية والتدبير المائي والتأهيل الترابي.
وأكد المسؤول الإقليمي أن الأولوية ستمنح للمناطق الأكثر هشاشة والنائية التي تعاني من ضعف مؤشرات التنمية، مع تثمين التجارب المحلية الناجحة واستثمار الخصوصيات الترابية للإقليم كرافعة أساسية لخلق الثروة وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، وذلك من خلال اعتماد تشخيص ترابي مفصل يسمح برسم خارطة طريق واضحة لتدخلات ميدانية واقعية ومتكاملة، موضحا أن هذا اللقاء يشكل الانطلاقة الرسمية لورش إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة على مستوى إقليم خنيفرة.
مكامن القوة والضعف
وتخلل اللقاء عرض دقيق قدمه رئيس قسم الشؤون الاقتصادية بعمالة خنيفرة، استعرض فيه أبرز مكامن القوة والضعف التي تميز النسيج التنموي بالإقليم، مبرزا أن هذا التشخيص يشكل قاعدة أساسية لإعداد برنامج التنمية الترابية المندمجة الجديدة، وفق مقاربة تستند إلى معطيات واقعية ومؤشرات كمية ونوعية دقيقة، حيث انطلق العرض من التأكيد على أن إقليم خنيفرة يتوفر على فرص واعدة للاستثمار في العنصر البشري، الذي يمثل ثروة أساسية ومحركا رئيسيا لأي تنمية مستدامة.
وإلى جانب استعراضه لما يزخر به الإقليم من تراث لا مادي وموروث تاريخي وثقافي غني يمكن استثماره في تطوير الصناعات الثقافية والسياحة التراثية، أبرز المتدخل فرص اللقاء في تشجيع السياحة الإيكولوجية بالنظر إلى ما تتمتع به المنطقة من مؤهلات طبيعية وجبلية وغابوية متميزة تجعلها مؤهلة لتكون وجهة للسياحة البيئية على الصعيد الوطني، فضلاً عن الاهتمام بمشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كمدخل لتعزيز الإدماج الاقتصادي ومحاربة الهشاشة، خاصة في صفوف النساء والشباب بالعالم القروي.
في المقابل، أبرز العرض جملة من التحديات التي تواجه الإقليم، وعلى رأسها ضرورة خلق دينامية اقتصادية واجتماعية قوية قادرة على امتصاص البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وتحسين مؤشرات التغطية الصحية التي لا تزال دون المعدلات الوطنية بسبب الخصاص الكبير في الموارد البشرية الطبية، فيما أشار العرض إلى أن نحو 47 في المئة من ساكنة العالم القروي بخنيفرة تقطن على بعد يزيد عن عشرة كيلومترات من أقرب بنية صحية، وهو ما يعمق معاناة المواطنين في الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية.
كما توقف العرض عند التحديات التي يواجهها قطاع التعليم، لاسيما في السلكين الإعدادي والتأهيلي، حيث تظل معدلات التكرار والاكتظاظ مرتفعة، مما يستدعي اتخاذ تدابير عاجلة لتحسين جودة التعليم والرفع من نسب النجاح، باعتبار التعليم أحد أعمدة التنمية البشرية، مع الإشارة إلى عدد من الاستثمارات المنجزة بين سنتي 2015 و2023، من بينها إحداث مركز لطمر وتثمين النفايات المنزلية، وبناء وتأهيل الطرق، وتأهيل المواقع السياحية، وإنجاز مدارس جماعاتية ومراكز لتصفية الدم، فضلا عن تعميم كهربة القرى في عدد من المناطق النائية.
وشمل العرض كذلك معطيات وإحصاءات دقيقة حول الوضع الإداري والديمغرافي والمناخي للإقليم، ومعدلات البطالة والفقر المتعدد الأبعاد والأمية والهشاشة، مؤكدا أن هذه المؤشرات تتطلب تدخلا متكاملا يعزز العدالة المجالية والاجتماعية، ومن بين نقاط الضعف الكبرى التي تم تسجيلها، كون أكثر من 80 في المئة من مساحة الإقليم ذات طابع جبلي، تسكنها ساكنة قروية متفرقة، مما يجعل إيصال الخدمات الأساسية تحديا حقيقيا أمام مختلف البرامج العمومية، كما يسجل الإقليم أدنى معدل للتغطية الكهربائية على المستويين الجهوي والوطني.
ذلك إلى جانب ضعف في الشبكة الطرقية، إذ يصنف ما يقارب من نصفها – حوالي 369 كيلومترا في حالة سيئة أو جد سيئة، وهو ما يشكل عقبة أمام تنقل المواطنين وتطور الأنشطة الاقتصادية المحلية، ورغم هذه التحديات، أكد العرض أن الإقليم يتوفر على رصيد مهم من المؤهلات الطبيعية والمائية والغابوية والثقافية التي يمكن أن تشكل رافعة للتنمية المستدامة، إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية استراتيجية شاملة تراعي خصوصية الإقليم وتعمل على وقف النزيف الديموغرافي الناتج عن الهجرة نحو المدن الكبرى أو خارج الإقليم.
نقاش وانتشار اللجان
وعرف اللقاء سلسلة من المداخلات والمقترحات التي لامست مختلف الجوانب التنموية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بإقليم خنيفرة، حيث عبر المتدخلون عن تطلعاتهم وانتظاراتهم من هذا الورش التشاوري، مؤكدين على أهمية أن يثمر النقاش مشاريع واقعية تستجيب لحاجيات الساكنة وتنسجم مع الإمكانات المحلية. وقد تميزت المداخلات بتعدد المواضيع التي تناولت قضايا التنمية الترابية، من البنيات التحتية إلى التعليم العالي مروراً بالتشغيل والصناعة التقليدية والسياحة والخدمات الاجتماعية.
ومن بين المقترحات التي طرحت خلال اللقاء، الدعوة إلى تحويل الملعب البلدي بخنيفرة إلى موقع أكثر ملاءمة يستجيب لمتطلبات الفعل الرياضي، إلى جانب الإشارة إلى أن خنيفرة ما تزال تعيش وضعا معقدا على مستوى نزاعات أسواقها وعقاراتها، ما يستدعي تدخلات قوية لتسوية الملفات العالقة وتحقيق توازن عمراني واقتصادي، كما لفتت المداخلات الانتباه إلى التفاوت الملحوظ بين سرعة اشتغال السلطة الإقليمية من جهة وبطء أداء بعض المنتخبين من جهة أخرى، داعية إلى تعزيز التنسيق والالتقائية في تنزيل المشاريع.
وفي محور العالم القروي، عبر المتدخلون عن قلقهم من الخصاص الكبير في مجالات الإنارة العمومية، والتزويد بالماء الصالح للشرب، والتطهير السائل، والطرق والمسالك، وهي عناصر حيوية ما تزال تشكل عقبة أمام التنمية القروية واندماج ساكنة الجبال في الدينامية التنموية، كما تمت الإشارة إلى وضعية الصناعة التقليدية بالإقليم، التي تحتاج إلى دعم أكبر من حيث التسويق والبنيات التحتية، خاصة أن الإقليم يزخر بإرث حرفي متنوع يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية مهمة إذا ما تم تثمينه بالشكل المطلوب.
وفي السياق ذاته، شدد عدد من المتدخلين على ضرورة إيلاء اهتمام خاص بتشغيل الشباب عبر خلق منصة محلية لتجميع المعلومات وتوجيه الدعم للشباب الحاملين للمشاريع، بما يعزز روح المبادرة والمقاولة الذاتية، كما طرحت مطالب اجتماعية ملحة تتعلق بدعم ورعاية فئة المكفوفين على المستويين السوسيواقتصادي والرياضي، بينما توقف الحاضرون أيضا عند الإقبال المتزايد على المدرسة العليا للتكنولوجيا بخنيفرة، معتبرين أن ذلك يستدعي توسيع العرض الجامعي بالإقليم وتقريب مؤسسات التعليم العالي من الطلبة، مع التشجيع على البحث العلمي.
كما أعيد طرح مطلب إحداث نواة جامعية ومعاهد عليا متخصصة بخنيفرة، باعتبار ذلك حقا مشروعا وأداة ضرورية للحد من الهدر الجامعي وتمكين أبناء الإقليم من متابعة دراستهم في ظروف ملائمة، بينما تم التذكير ببعض الاتفاقيات السابقة المتعلقة بإحداث مناطق صناعية بالإقليم، والتي لم يُعرف بعد مصيرها، وسط دعوات لتفعيلها على أرض الواقع، في السياق نفسه، جرى التشديد على أهمية دعم المشاريع السياحية والرياضية، لما تتميز به خنيفرة من مؤهلات طبيعية وجبلية وثقافية تجعلها مؤهلة لتكون قطباً للسياحة الجبلية والبيئية.
ولم يغب الجانب الصحي عن النقاش، حيث جدد المتدخلون مطلبهم بإحداث مركز لعلاج مرضى السرطان بالإقليم لتخفيف معاناة المرضى الذين يضطرون إلى التنقل لمسافات طويلة نحو مدن أخرى من أجل العلاج، وفي مشهد لافت، اشتكى أحد المتدخلين من غياب سيارة إسعاف بجماعة واومانة، فما كان من عامل الإقليم إلا أن أصدر تعليماته الفورية بتزويد الجماعة بهذه السيارة دون تأخير، في خطوة نالت استحسان الحاضرين، قبل دخول مصادر من الجماعة للرد على المتدخل في اللقاء بالإشارة إلى أن الجماعة تتوفر على سيارة إسعاف.
ومن أجل توسيع قاعدة المشاورات والإنصات للمواطنين، تم وضع برنامج ميداني يهم خروج اللجان التقنية الموضوعاتية إلى مختلف الباشويات والدوائر ابتداء من يوم الخميس 13 نونبر 2025، حيث تنظم لقاءات تشاورية في باشويتي خنيفرة ومريرت، ثم في دوائر خنيفرة وأكلموس والقباب يوم 14 نونبر، بهدف فتح نقاش مباشر مع الساكنة المحلية وجمع مقترحاتها، على أن تخصص سجلات محلية لتلقي الملاحظات والمبادرات، وختم عامل الإقليم كلمته بالدعوة إلى التعبئة الجماعية والانخراط الفعلي لجميع الفاعلين في هذا الورش.








تعليقات
0