قدّم يوسف ايدي رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين قراءة تحليلية مفصلة لمشروع قانون المالية لسنة 2026، رصد خلالها اختلالات عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وغياب الانسجام بين الوعود الحكومية والنتائج الميدانية بعد أربع سنوات من التسيير.
وانطلقت المداخلة في جلسة مناقشة المشروع من معطيات دقيقة تظهر تعمق الفوارق المجالية واتساع الهوة بين الجهات، حيث تستحوذ ثلاث جهات فقط على ثلثي الاستثمارات العمومية، بينما تبقى الجهات الجبلية والواحاتية والحدودية في حالة هشاشة مزمنة، بعيدة عن وعود التنمية المتوازنة.
وسجل ايدي في معرض مداخلته، ارتفاع معدل الفقر متعدد الأبعاد إلى 11.7%، والهشاشة إلى 38% في بعض المناطق القروية، في وقت عرفت فيه سوق الشغل واحدة من أسوأ الفترات خلال العقد الأخير، إذ فقد القطاع الفلاحي لوحده 554 ألف منصب شغل خلال عامين، ولم تستطع باقي القطاعات خلق سوى 126 ألف منصب. وارتفعت بطالة الشباب في المجال الحضري إلى 38.4%، وبطالة حاملي الشهادات العليا إلى 19%، فيما وصلت بطالة النساء إلى 21.6%.
وإلى جانب ذلك، تواجه الأسر المغربية ضغطاً مالياً غير مسبوق، إذ بلغت مديونيتها 427 مليار درهم، وارتفعت نفقات السكن والكهرباء والنقل والغذاء بنسب تتراوح بين 15% و32%، وهو ما يعكس تضخماً معيشياً يفوق بكثير الأرقام الرسمية.
وانتقدت المداخلة استمرار اختلال التوازن الضريبي، حيث يتحمل الأجراء 53% من الضرائب المباشرة، بينما لا تتجاوز مساهمة الشركات 22%، رغم الأرباح المرتفعة لقطاعات حيوية. وتشير تقارير رسمية إلى أن التهرب الضريبي يحرم خزينة الدولة ما بين 8 و12 مليار درهم سنوياً.
وفي ما يخص الاستثمار، اعتبر ايدي أن المغرب رغم تخصيصه أكثر من 30% من الناتج الداخلي الخام للاستثمار، إلا أن مردودية هذا الاستثمار تبقى ضعيفة جداً، حيث تتطلب كل نقطة نمو نحو سبع نقاط من الاستثمار. أما صندوق محمد السادس للاستثمار، الذي كان يفترض أن يقود طفرة استثمارية، فلم يعبئ سوى 19 مليار درهم من أصل 45 ملياراً موعودة.
وتطرق رئيس الفريق إلى أعطاب المنظومة التعليمية، بدءاً من الاكتظاظ الذي يصل إلى 48 تلميذاً في القسم، مروراً بخصاص 30 ألف أستاذ، ووصولاً إلى الهدر المدرسي الذي تجاوز 334 ألف تلميذ في سنة واحدة. وفي الصحة، يعاني القطاع من خصاص بلغ 32 ألف إطار صحي، مع ضعف كبير في العرض العمومي الذي يدفع 63% من الأسر نحو القطاع الخاص، في وقت تصل فيه نسبة الإنفاق الشخصي على الصحة إلى 54%.
كما نبّه ايدي في كلمته إلى هشاشة المخزون الاستراتيجي في مجالي الغذاء والطاقة، حيث لا يكفي مخزون الطاقة إلا لـ 26 يوماً، ومخزون القمح لأكثر من ثلاثة أشهر، إضافة إلى تراجع معدل ملء السدود إلى 24%. وأظهرت المؤشرات تراجع الثقة لدى الأسر والمستثمرين، وانخفاض تدفقات الاستثمارات الأجنبية بـ 13%.
وانتهت القراءة إلى أن مشروع قانون المالية لا يقدم حلولاً عملية لمواجهة هذه التحديات، ولا يترجم مفهوم الدولة الاجتماعية إلى سياسات ملموسة، ولا يضع أسساً واضحة لتنزيل النموذج التنموي الجديد.








تعليقات
0