يحدث أحياناً أن تتحول النقاشات الانتخابية في المغرب إلى مجرد جدل حول تفاصيل تقنية: نسب عتبة، لوائح، تعديلات جزئية ومقاطع قانونية تُعاد صياغتها ، كل شيء قابل للمراجعة… إلا الروح التي يفترض أن تبعث الحياة في هذه المنظومة.
بهذا الموقف، يعيد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية طرح السؤال الحقيقي: هل نريد إصلاحاً أم مجرد صيانة؟ لأن الإصلاح، كما يفهمه المنطق الديمقراطي، ليس لعبة تنظيمية، بل ورش سياسي بمعناه الكامل. ورش يتوخى إعادة بناء الثقة، وضمان تكافؤ الفرص، وتحقيق تمثيلية عادلة لا تُقصي أحداً ولا تُفوّت على أي فئة حقّها في أن تُسمَع داخل المؤسسات.
حين يقول الاتحاد الاشتراكي إن الإصلاح يجب أن يكون درعاً ضد كل أشكال التغوّل، فهو لا يتحدث عن خصوم أو أشخاص، بل عن ذهنية تتحول فيها السلطة الانتخابية إلى امتياز قابل للاحتكار. والخطر هنا لا يهدد حزباً بعينه، بل يهدد توازن الحياة العامة برمّتها. فالديمقراطية، إذا لم تُصن وتُحمَ بتشريعات عادلة وآليات شفافة، تصبح جسداً هشاً يسهل اختراقه.
تكمن أهمية هذا الطرح في كونه يذكر الجميع بأن الانتخابات ليست لحظة تقنية، بل لحظة تأسيسية.
هي الموعد الذي تعيد فيه الدولة والمجتمع صياغة عقد الثقة بينهما. وكل ورش يكتفي بالترميم السطحي لن ينجح إلا في إعادة إنتاج الأعطاب نفسها التي نشكو منها اليوم: عزوف، ريبة، تراجع الثقة، وشعور عام بأن السياسة لم تعد قناة فعّالة للتغيير.
ما يطرحه حزب الاتحاد الاشتراكي اليوم عبارة عن دعوة لإعادة الاعتبار للسياسة نفسها. دعوة لإصلاح يوازن بين التمثيلية والنزاهة، بين المنافسة والإنصاف، بين حرية التعبير وصيانة العملية الانتخابية من التضليل والتأثير غير المشروع.
هذه دعوة إلى إصلاح بمنطق الدولة لا بمنطق اللحظة. إصلاح يقطع مع الهندسة الظرفية ويؤسس لقواعد مستقرة، واضحة وشجاعة، تُخرج المنظومة من مساحة الشبهات إلى مساحة الاطمئنان. فالديمقراطية لا تُبنى بالصدف، بل بخيارات واضحة تُعلن من دون تردد: الثقة أولاً، تكافؤ الفرص دائماً، والتمثيلية العادلة كركيزة لا يمكن التفريط فيها.
تلك هي الطريق الوحيدة لضمان عدم تغوّل أي قوة، مهما كانت، ولإبقاء السياسة شأناً مجتمعياً مفتوحاً… لا مجالاً للهيمنة المقنّعة.








تعليقات
0