من حظر “غامض” إلى تقنين “محسوب”: قصة المغرب مع الأصول المشفّرة على أبواب قانون تاريخي

ittihadpress الأحد 23 نوفمبر 2025 - 19:42 l عدد الزيارات : 57511
بقلم: بدر الدين الهيسوف
لم يكن كثيرون يتوقعون أن يتحوّل ملف العملات المشفّرة في المغرب، الذي ظل لسنوات ملفًا يُدار بصمت، إلى مشروع قانون كامل يُطرح للمناقشة. لعقد من الزمن تقريبًا، اكتفى المغرب بإطلاق تحذيرات رسمية من التعامل في العملات الرقمية، من دون أن يمنعها بقانون، ومن دون أن يسمح بها أيضًا. ظل المواطنون، في تلك السنوات، عالقين بين “منع إداري” غير مكتوب وواقع رقمي لا يمكن وقفه.
الآن، ننتقل فجأة من سياسة المنع غير المصرّح إلى مشروع تقنين واضح. خطوة كان لابد أن تأتي، لكنها جاءت محمّلة بسؤال أكبر: هل نحن بصدد قانون يحمي السوق ويحرّرها؟ أم قانون يجعل التقنين طريقًا آخر للمنع؟
المسودة الجديدة: تقنين بحذر… وتوجس
تصوغ مسودة القانون فلسفة واضحة: التعامل مع العملات المشفرة بوصفها خطرًا قبل أن تكون فرصة. فهي لا تضعها في خانة “الابتكار الذي يجب استثماره”، بل في خانة “النشاط عالي المخاطر الذي يستوجب مراقبة محكمة”. هكذا يتضح من خلال مواد تربط كل خطوة تقريبًا بقوانين مكافحة غسل الأموال، وقواعد السوق المالية، ومقتضيات القانون البنكي.
المسودة لا تخفي نيتها الأساسية: إدخال العملات المشفّرة إلى النظام المالي، لكن تحت رقابة حديدية، عبر مؤسسات قائمة، على رأسها بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل. وهي أيضًا تعترف لأول مرة بما يسمى “الرموز المرجعية بالأصول”، أي العملات المستقرة مثل “الدرهم الرقمي” المحتمل.
الخطوة مهمة بلا شك. فمنع بلا قانون لم يعد ممكنًا في عصر أصبحت فيه المحافظ الإلكترونية والتداولات عبر المنصات العالمية جزءًا من يوميات الشباب، والمستثمرين، والمهاجرين، وحتى المتقاعدين.
إيجابيات يُحسب لها أنها وضعت خطوطًا حمراء واضحة
لا يمكن إنكار أن المسودة تنهي الفوضى القانونية، وتكشف لأول مرة حدود التعامل وواجبات الفاعلين. كما أنها تقدم تعريفات دقيقة للأصول المشفّرة وأنواعها المختلفة، وتلزم الشركات التي تريد التداول أو الحفظ أو التسويق بالحصول على رخصة مسبقة. بذلك، فهي تقطع الطريق على شركات الواتساب والصفحات المحتالة التي تستغل جهل الناس وطمعهم.
كما أن إدراج الأصول المشفّرة صراحة ضمن منظومة مكافحة غسل الأموال يمنح المغرب صكًّا دوليًا يُجنب وضعه في خانة الدول التي تُتهم بالتساهل مع الجرائم المالية عبر العملات الرقمية. هذا مهم في زمن ترقبه المؤسسات الدولية بدقة، وعلى رأسها FATF.
إلى جانب ذلك، تُحدد المسودة قواعد لحماية المستهلك، وتفرض شفافية في الدعاية والإشهار، وتنبه المستخدم إلى المخاطر والرسوم والحقوق. وهي خطوة لا تختلف كثيرًا عما تفعله دول رائدة في هذا المجال.
أما الجوانب الأكثر جرأة، فتتمثل في الاعتراف بالعملات المستقرة، وفتح الباب—ولو نظريًا—أمام إمكانية ظهور عملة رقمية مغربية مستقرة ترتكز على الدرهم، أو ربما على سلة أصول، مما يعيد رسم مفهوم المالية الوطنية.
لكن في المقابل… ثغرات قد تجعل القانون إطارًا للتجميد بدل الانفتاح
المشكلة أن هذه الإيجابيات لا تخفي توجسًا مبالغًا فيه. فالمسودة تمنح الإدارة سلطات واسعة جدًا في منح الرخص أو رفضها، دون تحديد معايير واضحة لرأسمال الشركات أو آجال الرد على الطلبات أو شروط الملاءة. كأن الترخيص ليس حقًا تنظيميًا بل امتيازًا تمنحه الدولة كيفما شاءت.
كما أن المسودة تتجاهل تمامًا القطاعات الأكثر نموًا في عالم Web3: التمويل اللامركزي DeFi، الرموز غير القابلة للاستبدال NFT، المنظمات ذات الحكم الذاتي DAO، والألعاب المبنية على البلوكتشين. هذه المجالات اليوم أكبر من مجرد تداول أو حفظ عملة. ومع ذلك، لم يُخصّص لها أي نص تأطيري، ولو بصيغة عامة.
إضافة إلى ذلك، يبقى وضع الأفراد غامضًا: هل يعتبر المواطن الذي يستعمل منصات أجنبية مخالفًا؟ هل سيوضع تحت طائلة قانون الصرف؟ هل سيتم التعامل معه كمستثمر أم كمجرم محتمل؟ سكوت النص أخطر من التصريح.
أما الإشكال الأكثر حساسية فيتعلق بحماية المعطيات: كيف ستنسجم قوانين حماية البيانات مع شبكة لا تُنسى ولا تُمحى؟ كيف نوفق بين “الحق في النسيان” و”بلوكشين لا ينسى أبدًا”؟ المسودة لم تجب.
حتى الجانب الجبائي ظل معلقًا، وكأنه يؤجل إلى قانون آخر، أو إلى تأويل إداري مستقبلي قد يكون أثقل من النص نفسه.
دوافع اقتصادية وسياسية لا يمكن تجاهلها
من يقرأ المسودة، يدرك أنها تسعى قبل كل شيء لطمأنة الخارج، وليس لبناء منظومة وطنية للابتكار المالي. فهي قانون يركز على الانضباط أكثر مما يركز على التنمية. وإذا لم تُراجع بعض بنودها، قد نصل إلى مفارقة غريبة: تقنين موجود على الورق… وسوق حقيقية تعمل في الظل، خارج الإطار القانوني.
الاقتصاد لا يحب الفراغ. فإذا أغلق القانون الباب أمام الشركات الناشئة بشروط ثقيلة، سيولد السوق البديل: تداول مباشر، محافظ مجهولة، منصات أجنبية لا تخضع للدولة. وهنا يفقد القانون هدفه الأساسي.
حتى لا يتحول التقنين إلى “منع مقنع”، هذه وصفة النجاة
يتطلب تحقيق التوازن بين الأمان والابتكار إدخال تعديلات جوهرية يمكن تلخيصها في سبعة اقتراحات واضحة:
•⁠  ⁠تحديد الاختصاصات بدقة بين بنك المغرب وهيئة سوق الرساميل.
•⁠  ⁠إطلاق رخص تجريبية (Sandbox) تسمح للشركات الناشئة بالاختبار دون تكاليف ثقيلة.
•⁠  ⁠إدماج الأنشطة اللامركزية (DeFi، NFT، DAO) ضمن إطار عام، ولو عبر تفويض تنظيمي لاحق.
•⁠  ⁠تحديد وضع الأفراد صراحة بدل ترك مصيرهم للقرارات الإدارية أو قانون الصرف.
•⁠  ⁠مواءمة النص مع قانون حماية المعطيات الشخصية بشكل واضح ومباشر.
•⁠  ⁠إعلان نظام جبائي محدد الأجل، يمنع التأويل ويشجع الاستثمار.
•⁠  ⁠موازنة منطق الزجر بتحفيز الابتكار، ودعم البحث العلمي والشركات الجامعية الناشئة.
 هل سيجعل المغرب من Web3 فرصة وطنية؟
المسودة خطوة لا يمكن الاستهانة بها، لكنها ليست الهدف. فالقانون قد يكون جسرًا نحو اقتصاد رقمي مغربي جديد، أو مجرد سياج يمنع الشباب والشركات من دخول المستقبل. الفرق الوحيد بينهما هو كيف سنكتب النص النهائي، وكيف سننفذه.
⁠المستقبل لا ينتمي للدول التي ترفض المخاطر، بل لتلك التي تحسن إدارتها.
* باحث في تدبير الشأن العقاري ومهتم بالسياسات التشريعية الرقمية ومتداول سابق و معدن سابق للعملات اامشفرةETH و ETC .
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image