الدستور أساس الشرعية… والسياسة رافعة التنمية: زمن العودة إلى المنطلقات الدستورية

ittihadpress الخميس 27 نوفمبر 2025 - 08:50 l عدد الزيارات : 39762

محمد السوعلي

تعيش بلادنا اليوم لحظة دقيقة تُعاد فيها صياغة التوازنات داخل الدولة والمجتمع. وهي لحظة تعج بالأسئلة التي لا يمكن مواصلة تجاهلها، وسؤال علاقة التنمية بالممارسة السياسية أحد هذه الأسئلة.  هل يمكن لمغرب يتطلع إلى الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي أن يستمر في مسارٍ تُدار فيه الأوراش الكبرى بمعزل عن السياسة، أو تُختزل فيه الديمقراطية في انتخابات ظرفية. إن العديد من التجارب التي عاشتها بلدان حاولت عزل التنمية عن الممارسة الديمقراطية، أثبتت محدوديتها. فهي تعطي الانطباع في بداية الأمر أن مثل هذ الخيار صائب، وأنه يغني المجتمع عن الصخب المرتبط في نظر البعض بالتدافع بين البرامج والرؤى السياسية والمشروع المجتمعي الذي يحمله كل حزب، غير أن هذه التجارب  تصطدم لا محالة بعجزها عن أن تصبح مستدامة، ومقنعة، وقادرة على جعل المجتمع يتملكها. وتؤكد بالتالي أن لا تنمية بلا ديمقراطية، ولا ديمقراطية بلا أحزاب قوية تمتلك الشرعية والرؤية والجرأة.

في السنوات الأخيرة، سجلت الأجهزة الإدارية (التكنوقراطية) للدولة تقدما متسارعا، وحضورا قويا في فضاءات صناعة القرار، وربما حتى فعالية ملحوظة في تنزيل القرارات وأجرأتها، وباتت تلعب أدواراً رئيسية في تتبع المشاريع، وتحريك الاستثمار، ومواكبة حاجيات المواطنين. كما توسّع المجتمع المدني من جهته بقوة وشكل إضافة مهمة في قطاعات عديدة، من دعم الفئات الهشة إلى العمل التنموي المحلي. لكن في مقابل هذا الصعود الإداري والجمعوي، تراجعت السياسة وخفت صوت الأحزاب داخل الفضاء العمومي، فتقلصت مساحة الوساطة، وتراجع تأثير المؤسسات المنتخبة، وظهرت معادلة مشوهة: إدارة فاعلة، تبرمج وتنفذ ما برمجته، مجتمع مدني مؤثر، حاضر في الفضاء العمومي، وأحزاب تكاد ترى.

وهي معادلة غير قابلة للاستمرار، لأنها تُنتج تنمية بلا روح، وتبخس العمل السياسي وتحاول تكريس فكرة عدم جدوى الأحزاب السياسية، واختزال أدوارها في جوانب شكلية، وتجعل القرار العمومي حبيس مقاربة تقنية لا سند لها. فالإدارة — رغم أهميتها — ليست بديلاً عن السياسة، ولا يمكنها أن تحمل رؤية حول أشكال المشروع المجتمعي الذي ينشده المواطنون والمواطنات؛ والمجتمع المدني، من جهته— مهما كان فاعلاً — لا يمتلك الشرعية التمثيلية ولا القدرة على تقديم بدائل عمومية متكاملة. الدستور واضح وحاسم: التأطير، وصياغة الرؤية، والاقتراح، والرقابة، هي وظائف الأحزاب، والنقابات.

ولعل التجربة السابقة لما عُرف بجمعيات “الجبال والهضاب والوديان”، التي أُريد لها أن تكون امتداداً تنظيمياً أو بديلاً عن الأحزاب التقدمية، تشكل درساً لا لبس فيه: كل بنية تُبنى خارج الشرعية المجتمعية تسقط عند أول اختبار، وكل محاولة لتعويض الأحزاب بمنصات جمعوية تنتهي إلى الفراغ.

الاتحاد الاشتراكي… حزب يعود إلى المجتمع بصوت شبابه

وسط هذا المشهد الملتبس، يقدّم الاتحاد الاشتراكي نموذجاً لحزب اختار أن لا يستسلم لمنطق الانكماش، بل أن يجدد ذاته من الداخل. فمنذ المؤتمر الوطني العاشر، شرع الحزب في دينامية سياسية وتنظيمية واسعة، بلغت ذروتها خلال الإعداد للمؤتمر الوطني الثاني عشر: جولات ميدانية شملت أزيد من 72 عمالة وإقليماً، تجديد القيادات المحلية، إعادة بناء التنظيمات الموازية، وعلى رأسها الشبيبة الاتحادية والمنظمة النسائية.

لم يكن ذلك مجرد عمل تنظيمي، بل عودة للإنصات إلى نبض المجتمع، مخالطة المواطنين ومجالستهم، إحياء النقاش العمومي، وإعادته إلى الفضاءات العمومية، إلى الأماكن التي غابت عنها السياسة لسنوات.. وقد لخّص الكاتب الأول إدريس لشكر هذا التحول حين دعا إلى “طرق جديدة للعمل السياسي تقترب من الشباب، وتفهم مطالبهم، وتستجيب لانتظارات جيل لا يريد التكرار بل الابتكار”. إنها ليست عبارة عابرة، بل إعلان عن توجه استراتيجي: حزب يؤمن بأن المستقبل لن يُبنى بنفس الأدوات التي اعتمدتها الأحزاب في السنوات الماضية، ولا بتكرار نفس سردياتها.

وقد ترجم الحزب هذا الوعي في الواقع: من الداخلة إلى تطوان، ومن مراكش إلى العيون، خرجت الآلاف من المواطنات والمواطنين، وردّد شباب المدن والقرى شعار الاتحاد، لأنهم وجدوا فيه فكرة، ورمزاً، ومشروعاً سياسياً يملك ذاكرةً وجرأةً ومصداقية.

معادلة وطنية جديدة: السياسة تضع الرؤية… والإدارة تنفّذ… والمجتمع المدني يساند

إن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تقتضي وضوحاً في توزيع الأدوار:

  • السياسي يملك الشرعية والرؤية والقدرة على صياغة البدائل.
  • الإدارة تنفّذ بكفاءة وحياد.
  • المجتمع المدني يراقب ويقترح دون أن يتجاوز حدوده الدستورية.

فحين تختلط الوظائف، وتصبح الجمعيات واجهات سياسية، وتُترك الإدارة وحدها في الواجهة، تتراجع الديمقراطية، وتتحول التنمية إلى تدبير تقني بلا عمق. وجيل اليوم — وهو جيل واقعي وعملي — لا يقبل هذا التشويش. يريد دولة قوية بمؤسسات قوية، وأحزاباً تقنعه ببرامجها لا بشعاراتها.

لهذا، فإن إعادة الاعتبار للأحزاب ليست مجرد خيار تنظيمي، بل شرط من شروط استمرار النموذج التنموي الوطني. فلا إصلاح بلا سياسة، ولا عدالة ترابية بلا وساطة، ولا استقرار بلا مؤسسات منتخبة تُحاسِب وتُحاسَب.

خاتمة: إعادة الاعتبار للسياسة… واستعادة الثقة

لا مستقبل لبلد تُدار فيه التنمية بلا رؤية سياسية، ولا مستقبل لديمقراطية تفقد وسائطها. ولهذا فإن اللقاءات التشاورية الواسعة التي تعقدها الدولة اليوم مع المجتمع المدني يجب أن تُستكمل — وبالجدية نفسها — بلقاءات تشاورية مع الأحزاب على مستوى الأقاليم، حتى يعود القرار العمومي إلى مساره الدستوري الطبيعي، وتعود السياسة إلى موقعها في قلب التنمية.

ويا شباب الاتحاد أنتم امتداد لمدرسة بُنيت بالتضحية والجرأة، مدرسة علّمت أجيالاً أن خدمة الوطن شرف، وأن السياسة التزام أخلاقي قبل أن تكون موقعاً. واليوم، وأنتم تواجهون زمناً تتغير فيه موازين القوة، فإن مسؤوليتكم هي إعادة وهج السياسة، وإثبات أن زمن الشباب ليس وعداً مؤجلاً، بل حقيقة يصنعها الاتحاديون كل يوم حين يرفعون راية الفكرة الاتحادية، ويمزجون الإيمان بالفعل، والجرأة بالمبادرة، والمبادرة بالمسؤولية.

فامضوا بثقة وارفعوا أولاً راية المغرب عالية خفّاقة
كما أرادها جلالة الملك وهو يجمع الأحزاب الممثلة في البرلمان حول رؤية وطنية موحّدة لتنزيل الحكم الذاتي بأقاليمنا الجنوبية؛
ثم ارفعوا راية الاتحاد الاشتراكي حيث كنتم، وأثبتوا أن السياسة، حين يصنعها الشباب بوعي ومسؤولية، تصبح قوةً لبناء الإجماع الوطني ودعامة لمستقبلٍ أوسع أفقاً.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image