مشهد أمام المحكمة… حين تتكلم العيون وتبقى الكلمات معلّقة

ittihadpress السبت 29 نوفمبر 2025 - 22:44 l عدد الزيارات : 44777
بقلم :  بدرالدين الهيسوف 
ذات صباح، وأنا أعبر باب المحكمة الزجرية بالدار البيضاء، لم أكن أتوقع أن أُصادف مشهداً سيظل معلّقاً في ذاكرتي، كأنه درس أخلاقيّ لا ينتهي. لا يحمل توقيع قاضٍ ولا ختم وكيل الملك، بل وقعته الحياة، وعمّقته دموع الآباء قبل أحكام العدالة.
كانت سيارات الشرطة تتقاطر واحدة تلو الأخرى، محمّلة بالمعتقلين. سيارات تبدو جامدة باردة، لكنها تخفي بداخلها قلوباً تخفق بقوة، تبحث عن شيء واحد: نظرة. مجرد نظرة، قبل أن يبتلعهم الممر الطويل المؤدي لغرف النيابة العامة.
عند توقّف السيارات، بدأ المعتقلون يلتصقون بأسلاك النوافذ المعدنية، يحاولون سرقة مشاهد من العالم الخارجي. ليس للسماء، ولا للحرية… بل لوجوه أحبّتهم. لخالة محنية على عصا، لأم ترتجف من البكاء، لأب يلهث من طول الانتظار، ولأخت تقف بين الزحام تبحث عن أخ لم تعرفه إلا طيباً داخل البيت.
كان يكفي أن ينفتح باب السيارة، حتى يبدأ كل معتقل بإدارة رأسه يميناً ويساراً مثل طفل تائه يبحث عن صدر يعرفه. عيونهم مضطربة، ليس خوفاً من قاعة التحقيق، بل خوفاً من فوات تلك النظرة… النظرة التي تحمل معنى أكبر من الحرية نفسها: الحنين.
وبين الزحام والصمت وصرخات الأمهات، برز صوت شرطي طويل القامة، شديد البنية، لا يوزّع أمراً قانونياً، ولا يعيد ترتيب الصفوف. كان يوجه حكماً أخلاقياً قاسياً، أشد من كل الأحكام الجنائية:
⁠”سير دخل… ما كتفكروا والديكم حتى كتشدو فالحبس وتخليوهم مجرجرين، كرفصتوهم ونتوما صغار وباقين كتعدّبوهم ونتوما كبار ما فكرتيش فيهم قبل ما توصل هنا .”
لم تكن کلماته قسوة، بل حقيقة مدفونة تحت غبار التبريرات والأعذار. قالها الشرطي بنبرة شخص رأى في مهنته الكثير، شخص شاهد أمهات تبعْن أبناءهن في كل الجلسات، وآباء باعوا ما يمكن بيعه لأجل محامٍ، وأخوات كبّدن دموعهن خوفاً على سمعة العائلة، وإخوة صغار سيكبرون وهم يحملون الخوف بدل الأمان.
في تلك اللحظة، لم تعد القضية تعني جريمة فقط… بل حياة منهكة حول الجريمة.
العدالة في المحاكم واضحة: ملفات، تحقيقات،  متابعات وأحكام.
لكن العدالة خارجها معقّدة: دموع، انتظار، انهيارات صامتة، وقلوب تُسجن قبل أصحابها.
بعض المعتقلين ارتكبوا أخطاءهم بأنفسهم، وبعضهم نتيجة فقر، تهميش، صحبة سوء، أو لحظة تهور. لكن الضحية التي لا تُذكر في المحاضر، ولا تُستمع لها في جلسات الاستماع، هي الأسرة.
أم تُحاكم كل ليلة في صمت سريرها.
أب تصدر عليه عقوبة إضافية اسمها “ولدو مشدود”.
أخت تتنازل عن أحلامها لأجل أخٍ ضائع.
إخوان صغار سيكبرون بنصف روح.
زوجة كانت تظن ان الأمان مع زوجها و ابناء كانوا ينتظرون عودة والدهم ليرتموا في حضنه.
ذلك الشرطي لم يكن يلوم فقط. كان يذكّر. يذكّر المعتقلين، وربما يذكّرنا جميعاً:
قبل أن نُفكر في المساطر القانونية و تبعاتها  أمام القاضي، نحاسب أولاً أمام من ربّانا.
قد يسجن القانون أجساداً، لكن الحياة هي التي تسجن القلوب.
 وربما فقط، يكفي أن يخرج أولئك المعتقلون يوماً ليعيدوا بناء تلك القلوب، ليكتشفوا أن العقوبة ليست سبع سنوات وراء القضبان… بل سنوات طويلة لإعادة النظر في نظرة ضائعة بين أسلاك نافذة سيارة شرطة.
ولعل أجمل أحكام الحياة… تُصدرها الأم حين تسامح.
ولعل أقساها… حين تبكي دون أن تتكلّم.
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image